ardanlendeelitkufaruessvtr

أخاف منه وأحن إليه

أخاف منه وأحن إليه
الإنسان يهرب من الموت، ويحاربه بكل ما يملك من وسائل الوقاية والعلاج، ولكنه قد يتجاوز موقفي الفرار والقتال إلى القبول به بوصفه نتيجة طبيعية لحياة الفرد.
حب البقاء دين من لا دين له
"الروح وما أعزها" عبارات دأب التونسيون على ترديدها للدلالة على ردود الفعل اللاإرادية التي يؤتيها البعض عند تعرّضهم إلى أي مخاطر قد تمس بسلامة هذه الروح.
لا يكف أغلب الخلق عن الدعاء على النفس بالموت، لكنهم في المقابل يخافون مواراة الثرى، خوف يلزمهم منذ يبعث الوليد في رحم أمه، يتوجسون خيفة من إجهاضه نطفة، ويرتعبون من ولادته قبل أوانه، ويجزعون في سنواته الأولى من هلاكه عبثا بما يحاول التعرف عليه من حوله بدءا من الجمرة بدل التمرة (في إشارة إلى قصة النبي موسى) وصولا إلى التلاعب بكل ما يصل إليه من أسلحة منزلية حادة، حارقة، صاعقة، ساحقة.
تختلف الآراء والتأويلات حول عدد المرات التي ينظر فيها ملك الموت إلى كل شخص في اليوم، ومع ذلك يهربون إلى أيسر الحلول عندما تؤشكل عليهم ولا يتوانون عن تكرار دعاء الخلاص “يا رب نموت، نحب نموت..”، وهذا الدعاء ليس مجرد قول غير مشروط، بل هو موقف محمّل بالعديد من الخلفيات الدينية والدنيوية، يرى فيه البعض خروجا من دار الفناء إلى دار البقاء، فيما يجد فيه البعض الآخر راحة من الشقاء.
وإن كان الأفراد لا يمانعون الاستقرار داخل رمس فلماذا إذن يقاومون الموت؟ لماذا هذا الخوف من السَّام؟ هذه المعادلة ارتأى حلها الفيلسوف اليوناني إبيقور قائلا بكل بساطة “لماذا أخاف من الموت؟ فطالما أنا موجود فإن الموت لا وجود له وعندما يكون الموت، فإني لست موجودا فلماذا أخاف من ذلك الذي لا وجود له عندما أكون موجودا؟”.
بالأمس القريب عشت تجربة جعلتني في ثوان قليلة اختبر هذا الخوف الذي مازال يسكنني حتى اللحظة كنت إلى حدود تلك الحادثة أُخيّر الموت في مواجهة بعض المشكلات التي تصادفني في بحر الحياة المتلاطم لكنني مِتُ رعبا من تجربة الموت ووجدتني مملوءة بحب الحياة.
    هناك رهط آخر يعيشون وفق مقولة عالم الفيزياء البريطاني الراحل ستيفن هوكينغ “لست خائفا من الموت لكني لست في عجلة من أمري لدي الكثير مما أود معرفته قبل الموت”
هذه المفارقة التي عايشتها لخصها عالم النفس “Kavanaugh E. Robert” في كتابه “مواجهة الموت” (Facing Death) كالآتي في قصة مخاوف امرأة كانت تكابد الموت (الاحتضار) بسبب السرطان، مبينا أن المخاوف التي عانتْها المريضة المحتضرة لم تكن على تلك الدرجة من الرعب والإثارة، كما يُتوقع عادة، وأن محاولاتها لتجنب المخاوف والهروب منها كانت أكثر إيلاما وإزعاجا من مخاوفها الحقيقية ذاتها، وانتهى إلى أنه إذا “كان في إمكاننا مواجهة خوفنا من الموت فإننا نملك فرصة العمل من أجل تغيير نمط حياتنا، وذلك بإجراء تغييرات في علاقاتنا مع الآخرين ومع أنفسنا”.
إذ أن الكثير من الشباب العربي يحيون أمواتا لأنهم ينشأون على دين آبائهم منقسمين بين فكرتي تنفس ريح الحياة بالتحرر التام من خشية ما هو حتمي والذعر كل حين من الفقد، فلا هم بأحياء ولا هم بأموات، بل إن تفشي ظاهرة انتحار الناشئة على حداثة سنهم وقلة وعيهم بتفاصيل الحياة والموت خير دليل على هذا الميراث من الهواجس، ولعل أغلب المنتحرين يرون فيه انتصارا على خوف أولياء أمورهم عليهم من الموت.
وهناك رهط آخر يعيشون وفق مقولة عالم الفيزياء البريطاني الراحل ستيفن هوكينغ “لست خائفا من الموت لكني لست في عجلة من أمري لدي الكثير مما أود معرفته قبل الموت”، وهؤلاء من خلقوا الفارق واستطاعوا تبصر الحياة من منظار مختلف وتمكنوا من الفوز على فكرة الموت وطرقوا المجهول طالما أنه قد يصلهم بحياة أبدية.
هذه الثنائية حللها المؤرخ والأنثروبولوجي البريطاني دوغلاس ديفيس في كتابه “الوجيز في تاريخ الموت” مشيرا إلى أنّ “تاريخ الموت هو تاريخ لتأمل الذات، وأنه في الوقت ذاته تاريخ للحياة”، واعتبر أن “الإنسان يهرب من الموت، ويحاربه بكل ما يملك من وسائل الوقاية والعلاج، ولكنه قد يتجاوز موقفي الفرار والقتال إلى القبول به بوصفه نتيجة طبيعية لحياة الفرد في هذه الدنيا”.
ومع ذلك لن أقدر ولن يقدر كل فرد منا أن يستوعب فكرة الموت الرحيم، وسيظل قرار العالم الأسترالي ديفيد غودال إنهاء حياته منذ أيام سؤالا يغوص في أعماقي التي تخاف الموت وتحن إليه.
كاتبة تونسية

قيم الموضوع
(0 أصوات)