ardanlendeelitkufaruessvtr

إلى جاد

إلى جاد
أمام حقل النظر المفتوح على برج المرّ سمحت لنفسي أن تستغرق في هذيان دام لعدة دقائق، أعترف أنني خلالها شعرت بموجة من حزن لوّحه فرح غريب استطاع أن يُحضر الدموع إلى عيني.
البرج.. عمل ينتمي إلى الفن الحضري
كنت البارحة، في طريقي إلى شارع الحمراء من ناحية منطقة الصيفي عندما رأيت من خلال نافذة سيارة الأجرة برج المرّ الشهير الذي بدأ إنشاؤه في فترة السبعينات، قبل أن تعطل الحرب إتمامه ليتحوّل بموقعه الإستراتيجي إلى مقر لميليشيات مسلحة متعاقبة وثكنة عسكرية فيها غرف تعذيب في ظل الوجود العسكري السوري.
أمام حقل النظر المفتوح على برج المرّ سمحت لنفسي أن تستغرق في هذيان دام لعدة دقائق، أعترف أنني خلالها شعرت بموجة من حزن لوّحه فرح غريب استطاع أن يُحضر الدموع إلى عيني.
على فتحات البرج المُستطيلة امتدت ستائر بسيطة من قماش ملون خفقت حينا في سياق الرياح الربيعية المُنعشة كالغسيل المنشور على الحبال، وأحيانا أخرى كالأشرعة المتروكة في حال سبيلها أو كستائر الشرفات التي كانت تزين معظم الشرفات في بيروت حتى منتصف التسعينات.
دار بيني وبين السائق هذا الحديث:
- انظر إلى برج المرّ..
- ما هذه؟
- إنها ستائر.
ضحك السائق، وقال:
- من فعل ذلك؟ المبنى غير مسكون!
عندما اقتربنا من البرج، أدركت أنه عمل ينتمي إلى الفن الحضري، لم أكن أعلم من هو خلف هذا “التدخل” الباذخ والدقيق جدا في شرايين الذاكرة اللبنانية الأكثر ضيقا، تماما كما يفعل الجرّاح حينما يدخل سلكا أو إبرة مُعقمة في جسد طفل أو كبير في السن.
التفتت ورائي لأتحقق من أن الفنان الذي قام بهذا التدخل الفني لم يهمل نوافذ الجانب الخلفي من البرج.
وعلمت أن صاحب العمل، هو جاد الخوري، أحد فناني جيل الحرب بامتياز، والفنان يقيم حاليا معرضا في المركز الثقافي الفرنسي في بيروت تحت عنوان “تواصل”، ويتناول المعرض الفترة التي تلت مواجهة الحرب وجراحها في محاولة إقامة شكل من التواصل مع الذات ومع الناس.
عندما عدت في فترة بعد الظهر إلى منطقة برج المرّ كانت الرياح الربيعية مازالت تحرك مآقي نوافذه بأجفانها الملونة/الخافقة، جالبة إليه فرحا غرائبيا يُشبه مشهد رقرقة الماء الصافي في السواقي الضحلة النابتة بين الأعشاب الكثيفة، وكأن ستائر جاد جاءت بفعل خلطة سحرية كهدايا من “سوق الطويلة” العتيق والكامن في وسط بيروت “الحقيقية”، أي في الفترة التي سبقت الدمار وإعادة الإعمار، والتي حدثتني والدتي عنها مرارا حتى بت أكره ما آلت إليه الآن: مُعقمة ومسكونة بالصمت.
اعتلت الستائر نوافذ البرج لتقول “كان من الممكن أن نكون مسدولين على هذا النحو خلف النوافذ الزجاجية، لو قُدّر لها أن تكون فكرة مُتحققة”.
جاءت ستائر جاد الخوري الذي لطالما اشتغل على ثيمة الحرب لتقول لي إن تلك السواقي/الستائر الاستثنائية التي ذكرتها آنفا، هي من النوع الذي عرف كيف يلتفّ على ذاته ويحميها من الجفاف الذي مزّق، حين الحرب وبعدها، كل معالم الوجود المُحيط.
واستنشقت يا جاد الخوري، ملء رئتي رائحة الشمس العمودية/الحادة التي كانت تعشعش في ستائر شرفات البيت الواسع الذي كنت أسكنه قبل وخلال فترة الحرب، كانت ستائر شرفات منزلنا مخططة بالأصفر والأبيض كما بعض الستائر التي اخترت بدراية أن تضع بعضها على هياكل النوافذ المُستطيلة.
تمعنت في علياء خفقان البرج حتى انقشعت رؤية لزمن مضى ولم يمض حقا، وكان لهذا الانقشاع الخاطف في نفسي مفعول المطبات الهوائية التي يختبرها المسافرون على متن الطائرة إن هي دخلت في أجواء مناخية مُضطربة.
وددت لو أنني رددت صباحا على تساؤلات سائق سيارة الأجرة، بهذه الكلمات “إنها ستائر، وضعها فنان من أبناء جيل الحرب اللبنانية، هذا المبنى غير خال كما تعتقد، هو مسكون، وقد انتظر طويلا لكي يحظى بهكذا ستائر خفّاقة تشبه الأهوال والأهواء التي عاشها على السواء، مسكون بالماضي المُتّصل بالحاضر الذي بدوره مُتّصل.. آه كم هو مُتّصل بالآتي!”.
ناقدة لبنانية

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث