ardanlendeelitkufaruessvtr

إذا وُجد له مكان؟

إذا وُجد له مكان؟
حراس اللغة معذورون، لأنهم مدرّعون فقط بـ"الجاموس" اللغوي وهو النطق الصعيدي لـ"القاموس"، ولأن غالبيتهم مجرد مدرسين للغة العربية وجاءوا مرافقين لزوجاتهم في الخارج.
اللغة الصحافية لغة وسطى بين الفصحى والعامية
علاقتي المهنية بحرّاس اللغة، في قسم التصحيح، والتي قاربت العقود الثلاثة، أشبه بعلاقة أقارب الميت مع حارس المقبرة. ورغم أنه لا يفعل شيئا لجثمان تحت التراب، إلا أنه دائما ما يثير الجدل وقت الزيارة، مظهرا حرصه على رعاية شؤون الموتى، ورش بعض الماء أمام القبر لتلطيف الأجواء بما يعيد الروح لمن لا روح فيه.
شيخ المصححين ـ رحمه الله ـ في صحيفتي السابقة، كان دائما ما يتلبّس ثوب “الرقيب”، لا يكتفي بالمراجعة اللغوية وتدقيق الألفاظ، بل يتجاوزهما للتدخل في ما هو أبعد، وتكون الطامة الكبرى عندما يكتشف خطأ ما، سرعان ما يصعد بالأوراق والأصول لرئيس التحرير ومعه دلائل الإدانة للمحرر، وخارطة تفتيش النوايا بما يجوز أو لا يجوز، ليحصد إعجابا ونفوذا و”مكافأة”، بينما نحصد نحن ـ المحررون في الأرض ـ تقريعا صاخبا، والذريعة دائما.. إنقاذ الصحيفة من كارثة أو مؤامرة!
ذات مرّة، كان عنوان إحدى الصفحات عن الرياضي الأميركي بن جونسون، والمفاجأة أن حارس اللغة العتيد، أصر على أن يضع حرف الألف قبل كلمة بن، ليجعلها ابن، مستندا إلى القاعدة اللغوية الشهيرة، وعبثا فشلت محاولات إقناعه بأن كلمة “بن” اسم للرجل، ولا فائدة، وليتكرر الأمر مع زميلنا المخضرم، وكان مترجما سودانيا اسمه جبر الله، وكان خطه رديئا صعب القراءة ـ يذكرني بجدي، شيخ البلد وقتها، والذي كان يكتب، ولا يعرف قراءة ما خطه بيده ـ ليصرّ صاحبنا على أن ما أمامه في الورق هو “جيرالد” لينشر اسمه على الموضوع “جيرالد” عمر الأمين، فكانت نكتة الموسم.
حراس اللغة معذورون، لأنهم مدرّعون فقط بـ”الجاموس” اللغوي وهو النطق الصعيدي لـ”القاموس”، ولأن غالبيتهم مجرد مدرسين للغة العربية وجاءوا مرافقين لزوجاتهم في الخارج، لم يدركوا أن اللغة الصحافية لغة وسطى بين الفصحى والعامية، لذا لم يستوعبوا المعادلة، وكانوا أكثر تطرفا في التعامل مع النص ـ بتشجيع فوقي للقضاء على المؤامرة طبعا ـ يتجاوز وظيفتهم الأساسية للعبث في المتن وتقمص دور “الديسك”، بالدخول في لعبة “الصياغة” التي أصبحت تحويل الفسيخ إلى “شربات” بالفهلوة!
وأختم بالواقعة الطريفة، حيث ورد نعي مطلوب نشره عاجلا في إحدى الصحف المصرية الشهيرة بإعلانات الوفيات، وتحت ضغط الوقت والمساحة، أجازه رئيس التحرير بتأشيرته “إذا وجد له مكان” أي ينشر إذا كانت هناك مساحة، ولكن في غفلة من الجميع، جاءت النهاية الكوميدية.. نشر الإعلان مذيّلا بالدعاء المأثور “أسكنه الله فسيح جناته” ثم عبارة “إذا وجد له مكان”.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)