ardanlendeelitkufaruessvtr

تنظيف البيوت غير ضروري

تنظيف البيوت غير ضروري
تنظيف البيوت مهم، لكن ليس للدرجة التي يتحول معها اليوم بأكمله إلى لهاث لا يتوقف، ونتحول معها نحن إلى ماكينة تدور بلا هوادة.
روتين كل يوم
تقضي ربات البيوت ساعات النهار بأكملها في القيام بالمشاغل والأعباء المنزلية من غسل وتنظيف وطبخ وترتيب وشطب وتلميع. يبدأن في الصباح الباكر، مع نهوض الأبناء وذهابهم إلى المدرسة، وينتهين بعد أن يخلد الجميع للنوم. وهي مهمة صعبة ومجهدة، والأكثر من ذلك؛ غير ضرورية.
التنافس في تنظيف البيوت وترتيب احتياجات الأطفال وإنهاء المهام المنزلية في وقت قياسي من ميزات البيوت المتلاصقة والجيرات القريبة في الأحياء العربية، أو هذا على الأقل ما أذكره من طفولتي، عندما كانت كل جارة تحرص على أن يكون بيتها أنظف من بيت الثانية ورائحة أكلها الشهي تصل إلى آخر الشارع، في إشارة واضحة إلى أنها تسيطر على الوضع وتملك زمام بيتها وأسرتها.
تدخل النساء في ماكينة الروتين اليومي ولا يكون بوسعهن مغادرتها بعد ذلك أبدا، يقمن كل يوم بنفس الأشغال والمهام، ينظفن الغرف واحدة واحدة، يغسلن الأواني ويرتبن المطبخ، يذهبن لجلب مشتريات الغداء، يطبخن، يرتبن الصالون وطاولة الأكل، يغسلن الأواني مرة أخرى، وهكذا إلى آخر النهار.
في اليوم الموالي يقمن بنفس المهام وفي نفس المواعيد تقريبا، وفق نظام يومي صارم ودقيق تحركه ساعة داخلية تدور بنفس الوتيرة، فإذا اختل هذا النظام لأي سبب من الأسباب تشعر المرأة أن يومها يفلت منها وأمورها تخرج عن السيطرة وينتابها القلق.
الروتين والاعتياد يمنحان الأمان، يجب أن نسلم بهذا، فقيام الشخص بنفس الأشياء وفي نفس المواعيد يمنحه شعورا بالألفة والاستئناس لما هو معروف ومألوف، ويصبح الإطار الزمني الذي تدور فيه أعماله جدرانا وأسقف حامية له، ولهذا ينصح بالروتين للأطفال تحديدا.
الأمر يختلف مع البالغين، فالروتين والاعتياد يفقدان الزمن قيمته، بحيث يتم إفراغ الساعة من دلالتها الزمنية وملؤها بحمولة سلوكية معينة فتصبح السابعة “ساعة الأكل”، والعاشرة “وقت الطبخ” والواحدة “ساعة غسل الأواني” وهكذا…
تنظيف البيوت مهم، لكن ليس للدرجة التي يتحول معها اليوم بأكمله إلى لهاث لا يتوقف، ونتحول معها نحن إلى ماكينة تدور بلا هوادة وفق برنامج دقيق لا يقبل الاختلال، فإذا اختل لأي سبب من الأسباب شعرنا بالذنب والتقصير.
تنظيف البيوت لا يجب أن يستغرق أكثر من ساعتين في اليوم (في الغرب يدعون أنه لا يجب أن يستغرق أكثر من ساعة واحدة) باقي النهار، على المرأة أن تقضيه في أولويات أخرى لا تقل أهمية عن تنظيف البيت وإعداد الطعام، وفائدتها على الأسرة أكبر ربما، من بينها التنزه في الخارج، القراءة، تعلم مهارات جديدة، تثقيف نفسها على الإنترنت، المشاركة في أنشطة اجتماعية ورياضية، المشاركة في ورشات ودورات تربوية، ممارسة هوايات، تبادل زيارات، إلى غير ذلك.
بيت يستنزفنا ليل نهار، ويأكل من طاقتنا وجهدنا وعمرنا، لا يمكن أن يجعلنا سعداء، حتى وإن تحول من شدة نظافته ولمعانه إلى جوهرة تعمي الأبصار. البيت هو نحن، هو ما نحمله داخلنا ونصبغه عليه، فإذا كنا ممتلئين بالحياة، منفتحين، مقبلين على الآخرين، وعلى التعلم وتطوير أنفسنا ومهاراتنا، طيعين، متأقلمين، انعكس ذلك على ما هو حولنا، وأصبحت لمسة ذكية واحدة كفيلة بتحويل البيت إلى جنة.
ساعة أو ساعتان للبيت، للجدران والأواني والستائر والسجاد، أي للجماد والأشياء التي لا تقدم ولا تؤخر شيئا، والباقي للبشر، أي للاستثمار الحقيقي في الركائز والدعائم الحقيقية التي يقوم عليها كل بيت. هذا ما يجب أن يكون.
كاتبة تونسية

قيم الموضوع
(0 أصوات)