ardanlendeelitkufaruessvtr

حديث الخميس: ابو نواس

حسان الحديثي 
 
ملاحظة: نشر هذا الحديث اكراماً وجواباً للاستاذ البروفيسور عبدالاله الصائغ استاذ تحليل النص والمقيم في مشيغان/الولايات المتحدة. 
 
 
شاعرٌ لا يشبهُه الشعراء، فاق سابقيه وبزَّ لاحقيه، متفردٌ في طريقته، وحيدٌ في مسلكه، أدركَ فقه المعنى وفهمَ أسرار المبنى؛ فكان مدرسةً أنتمى لها الكبارُ دون سابق قصد، أو سالف تخطيط.
 
حاول من جاء من بعده التقليدَ والاقتباس، فحاموا حول الحمى دون الوقوع فيه أو الوصول إليه؛ وما كان ذلك إلا لأن شعره ليس فيه فسحةٌ لمقتبس أو فضلٌ  لآخذ إذ اعتمد في نسجه أمرين، وبتعليله سببين: 
أولهما: أنه مشهور الشعر، بائن المعاني، محكم الصنعة، يُكمل القريب من الصور بالغريب، ويسبك الصنعة بكل معنى شارد وعجيب، عَلِمَ أن الدرَّ لا يطفو فغاص، وأدرك أن لا مناص مما ليس منه مناص؛ فلم يترك فرصةً لآخذ، فإن جازف احدُهم وفعل لَفَتَ إليه أعناقَ الناظرين، وفضح نفسَه أمام أعين المتتبعين.
 
وثانيهما: أن مديات الصور عنده مستنفدة، ودائرة المعاني لديه مغلقة، لا تدع خيالاً لشاعر ينفذ إليها أو ينطلق منها أو يحلق فيها.
قيل عنه: إن شعره كله مختارات، خال من الهنات والوهنات، فأنصفه النقاد حتى قال فيه الجاحظ قولين -لم يكررهما لأحد- في قصيدتين عجيبتين، والعجيب فيهما أنهما متعاكستان في الغرض، متضادتان في الغاية، فكان في الاولى عابداً ناسكا وفي الثانية عابثاً هالكاً.
 
حاكى فيهما الضدين فأجاد، وابتغى بهما السبيلين فاحسن غير انه أثبت أنهما للسانٍ واحدٍ وقريحةٍ واحدة
 
قوله (والكلام للجاحظ): لا أعرف في كلام العرب أرق وأجمل من قول أبي نؤاس: 
أيّـةُ نــارٍ قَـــدَحَ الــقــادِحُ؟ … و أيُّ جِـدٍّ بـلـغَ الـمـازِحُ؟ 
لله دَرُّ الشَّـيْبِ مـن واعــظٍ … وناصِحٍ لو سُمِعَ الناصحُ
يأبى الفتى إلاّ اتِّـباعَ الهـوى … ومنْهَجُ الحقِّ له واضحُ
فـاسْـمُ بعيْـنَيْكَ إلى نِـسْـوَةٍ  … مُهورُهنَّ العملُ الصّالِحُ
لا يجْتلي الحوراءَ من خِدْرِها … إلاّ امرؤ ميزانه راجِحُ
مـنِ اتّقـى الله، فـذاك الذي … سيقَ إليهِ المتْجرُ الرّابِحُ
شمّرْ، فما في الدين أُغلوطةٌ … و رُحْ لـمـا أنت له رائحُ
 
ولم اجد في كلام الواعظين اعذب من قوله ونصحه ولا ادحض من حجته في اختصاره وشرحه فقد اوجز ما يطول وصفه لو كان على لسان احد غيره
 
ثم يُردف الجاحظ فيه فيقول في سينية المشهورة والتي يصف فيها حالَه وصحبَه في حانة معطلة مهجورة لم يبق فيها الا آثار جديدة ودارسة وقد قضوا فيها خمسة أيام بين كاسٍ ولعب وشعر وطرب، فيقول والكلام للجاحظ: لا أعرف شعرًا يفضل قولَ أبي نؤاس:
ودارِ نــَدامــى عـطّلـوهـا وأدلــجــوا
بـــهـــا أثــرٌ مـنـهـم جــديــدٌ ودارسُ
 
مـسـاحبُ مـن جرِ الزقاقِ على الثرى
وأضـغـاثُ ريـحـانٍ جَــنـيٌّ ويــابــسُ
 
حبستُ بها صحبي فجَدَّدْتُ عهدهمْ
وإنّــي على أمـثــالِ تـلـك لـحـابــسُ
 
حـبـسـتـهـمـو يـومـاً ويـومـاً وثـالـثاً
ويــومــاً لـه يــومُ الـتـفـرق خـامسُ
 
تُــدارُ عـليـنـا الـراحُ فـِي عسـجديـةٍ
حَـبـتـهـا بـأنـواعِ الـتـصـاويـرِ فارسُ
 
قـرارتُـهـا كـسـرى ، وفـي جـنـبـاتِـهـا
مـهـاً تَـدّريـهـا بـالـقِــســيِ الـفـوارسُ
 
فـلـلـخـمـرِ مـا زُرّتْ عـلـيـه جيـوبُهمْ
ولـلـمـاءِ مـا دارتْ عـلـيـهِ الـقـلانـسُ 
"انتهى كلام الجاحظ"
 
ولو اطال المتأملُ النظر في هذه الابيات لوجد فيها حسنَ وصفٍ مع حسنِ تشبيهٍ بحسنِ بناءٍ وحسنِ دلالةٍ، ولله دره بقوله "واضغاث ريحان" وهي كناية عن الاثر الطيب الذي وجدوه ممن سبقهم والضِّغْثُ هو كلُّ ما مَلأَ الكَفَّ من النبات قال ربنا لايوب عليه السلام: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ 
 
ولا يكاد يعيب هذه الابيات شيء ابداً بل لن يجد القارئ اسلس عبارة وابسط مفردة واجمل سبك واظرف معنى منها.
 
فلما أصاب الشعراءِ من ابي نواس التسليم واليأس، وبدا منهم العي والعجز، ولم يبق لهم من وِرْدٍ سوى وِردِه، ولا دلالةٍ غير اقتفائه ، تبعوا منهجه إذ لا سبيل لمعانيه وصوره.
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الخميس, 23 آب/أغسطس 2018 20:17
حسان الحديثي

حسان الحديثي
عراقي من مواليد مدينة حديثه/العراق ويعيش حالياً في المملكة المتحدة
كاتب وباحث ودارس في ألادب العربي وتاريخه
يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية
له كتاب ” حديث الخميس" بجزأين
ومخطوطة ” والسياب شاعر الانسانية الاكبر ”