ardanlendeelitkufaruessvtr

إعادة إعمار نفوس الأطفال المحطمة

بقلم يمينة حمدي حزيران/يونيو 27, 2018 68

إعادة إعمار نفوس الأطفال المحطمة
أخطر آثار الحروب والصراعات من الناحية النفسية، هو ما يظهر على المدى البعيد وبشكل واضح في جيل الأطفال.
كلما كبروا تكبر معهم آثار الصدمات
لا يتحدث الساسة أثناء الحروب وبعد انتهائها سوى عن إعادة إعمار المباني والمنشآت التي تهدمت، وفي خضم أحاديثهم لا يتبادر إلى ذهن أي منهم موضوع ما تهدم في نفوس الأطفال والنساء والرجال، وخاصة الفئات المعوزة التي تكون أغلبها في مرمى القصف.
ربما لا ينطبق مصطلح إعادة الإعمار سوى على المنشآت والبنى التحتية، وليس على الحالة النفسية للإنسان، ولكن الدمار الأكبر والخسارة الفادحة، هما اللذان تلحقهما الصراعات والحروب بنفسيات الناس، إلا أنهما لا يؤخذان في عين الاعتبار في أروقة الساسة.
لا يعد الدمار ماديا أو ظاهريا حتى يتم ترميمه أو علاجه بسهولة، بل هو “خفي”، وفي نفس الوقت يحدث فوضى كبيرة وطويلة الأمد في نفسية وتفكير وسلوك ومجرى حياة من يعيش صدمات الحروب.
يقول الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة “انتهتْ الحرب، في ذلك اليوم رقص الملايين من النّاس في شتّى بقاعِ الأرض، وغنّوا وسكروا وعربدوا، إلّا الذين تذوقوا طعمَ الحرب، أولئكَ ظلّوا صامتين”.
الصمت لا يعني الرضا دائما، بل هو علامة على الصدمة المحملة بالحزن والمرارة، لكن غالبا ما يتم النظر إلى الصمت من منظار خارجي بحت، حتى وإن كان يعكس شدة الأزمة النفسية.
السياسيون بارعون في تنميق الحروب ويضفون عليها نكهات مغرية، ويخوضونها بمسميات مختلفة: باسم الوطن وباسم الأمن العام وباسم الحرية والديمقراطية، وشاعت بعد صعود الإسلام السياسي في السنوات الأخيرة فكرة الدفاع عن المذهب والطائفة.
“نحن كنا نموت هناك بينما كانوا يشاهدون هذه الحرب على شاشات التلفاز، لقد كانت الحرب بالنسبة لهم مجرد فرجة، أتصدقون كنا نموت وقد كانت مجرد فرجة”، هكذا قالت الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش الحائزة على جائزة نوبل للآداب في حديثها عن لعنة الحرب ومن عانى من ويلاتها.
ووصفت أليكسييفيتش عزلة الإنسان العائد من الحرب في قولها “لديه معرفة لا وجود لها لدى الآخرين، ولا يمكن تحصيلها إلا هناك؛ على مقربة من الموت. عندما يحاول التعبير عن شيء ما بالكلمات، يظهر لديه إحساس بالكارثة. إنه يريد أن يروي، والآخرون يريدون أن يفهموا، لكن العجز يسيطر على الجميع”.
البعض من السياسيين لا يدركون بغرور وعنجهية عمق الأثر النفسي للحروب، خاصة الأطفال وما يترسخ في أذهانهم من مشاهد دامية ليس من السهل أن تمحى من الذاكرة، وقد لا يكون الزمن كفيلا بشفاء أثر تلك الصدمات التي تراكمت في نفسياتهم نتيجة معايشتهم الرعب والقلق بشكل مستمر.
وقد رصدت إحدى الدراسات العلمية التي نشرتها “مجلة انترناشونال جورنال اوف بابليك هيلث” الدولية تزايدا كبيرا في عمليات الانتحار، وأعمال العنف بين الأشخاص في منطقة شرق المتوسط، وبفارق كبير عن نسبة تزايدها في باقي أنحاء العالم خلال ربع القرن الأخير.
وقال معد الدراسة علي مقداد مدير مبادرات الشرق الأوسط، في معهد مقاييس الصحة والتقييم في جامعة واشنطن، إن “العنف المستوطن والمستمر يخلق جيلا ضائعا من الأطفال والشبان”، مشددا على أن “مستقبل الشرق الأوسط سيكون قاتما إذا لم يتم التوصل إلى طريقة لإحلال الاستقرار في المنطقة”.
أخطر آثار الحروب والصراعات من الناحية النفسية، هو ما يظهر على المدى البعيد وبشكل واضح في جيل الأطفال، فكلما كبروا تكبر معهم آثار الصدمات والمشكلات النفسية التي ترسخت بداخلهم، وليس من السهل نسيان كوابيس الحرب والعيش بسلام، وقد تحدثت العديد من الأبحاث عن الضرر النفسي، وعن عدم قدرة الأطفال الذين تعرضوا لصدمات الحروب على عيش حياتهم بشكل طبيعي، إلا أن السياسيين يأبون الصمت على دمار الثروة الحقيقية للمجتمعات والمتمثلة في البشر ويكتفون بالتحدث عن إعادة إعمار المباني والمنشآت. فماذا بشأن إعمار النفوس؟
صحافية تونسية مقيمة في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)