ardanlendeelitkufaruessvtr

اختبار الجوهر

بقلم شرف الدين ماجدولين حزيران/يونيو 27, 2018 324

اختبار الجوهر
لحظة الرسوب في الامتحان، وعدم التفوق، لا يمكن شطبها من مسار العبقرية التي لا يخضع فيها الارتقاء الفني والمعرفي لمنطق الحساب.
عبقرية بيكاسو
في كتاب آرثر ميلر عن “أينشتاين وبيكاسو: المكان والزمان والجمال الذي ينشر الفوضى” يسعى مؤرخ العلوم والفنون بجامعة لندن إلى البرهنة على انتماء بابلو بيكاسو وألبرت أينشتاين معا إلى مشترك أساسي، يجعل العلم والفن الحديثين يتقاطعان، هو “العبقرية” الملهمة لعوالم كاملة، والتي يمكن فحصها وإخضاعها لتحليل ينتهي لبناء تناظرات بين الاثنين، خلال فترة إبداعهما العظيم.
ولعل من بين الخلاصات النقدية الأساسية التي تتكرر في الكتاب تلك التي تجعل بيكاسو يستعمل قاموسا رياضيا وفيزيائيا وأينشتاين يلتجئ إلى مفردات الفن، كأن يقول بيكاسو مثلا “ينبغي أن يكون مرسم الفنان مختبرا حقيقيا، حيث لا يصنع الواحد فنا على طريقة قرد، بل يبدع على نحو يثبت أن الرسم نشاط فكري”، مثلما أن لامبالاة أينشتاين باللباس وسلوكه المتصف بالإهمال وشعره الكثيف المجعّد، وحبه للفلسفة واستعاراتها الغارقة في مجازات الفن، كل ذلك أظهره شاعرا أكثر منه فيزيائيا.
استدعي هذا الثنائية الذهنية المتبادلة للمواقع والمفردات والمظاهر والمهارات، للتأكيد على قاعدة أساسية في الإنجاز الاستثنائي المسمى “عبقرية” أو “إبداعا عظيما”، تتمثل في عدم خضوع الجوهر لحقيقة واضحة، يمكن أن تقاس بقواعد الفيزياء والرياضيات، أو بكشوف الجماليات والرواية والموسيقى، وإنما بمعيار غير واضح ولا نهائي، يتأرجح دوما بين العلم والفن، ويتوسل بالحدوس والإشراقات التي تكون الأصل في ولادة الأعمال الخالدة من “خيانة المسيح” لكوتو، إلى نظرية “الجاذبية” لنيوتن، ومن “راقصة الباليه” لإدغار دوغاس، إلى نظرية النسبية لأينشتاين.
لهذا لا تشكل لحظة الامتحان باستمرار عتبة لفرز هذا الجوهر، لقد فُصل إدوارد سعيد من مدرسة فيكتوريا الإعدادية بالإسكندرية في يفاعته، مثلما أخفق فرانسيسكو غويا في ولوج الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بمدريد رغم المحاولات العديدة، وسيحتل هذا الفنان الرومانسي بعد ذلك أرقى منصب فني في المملكة الإسبانية، حين عيّن في منصب الرسام الرسمي للبلاط الملكي، وهو أرفع بكثير من منصب عميد أكاديمية الفنون، لكن لحظة الرسوب في الامتحان، وعدم التفوق، لا يمكن شطبها من مسار العبقرية التي لا يخضع فيها الارتقاء الفني والمعرفي لمنطق الحساب.
استدعيت كل هذه التفاصيل ونحن نعيش أجواء الامتحانات الجامعية ومناقشات أبحاث ومشاريع التخرج، لأفهم تلك الرهبة المتأصلة التي تسكن دواخل بعض طلبتي المتفوقين من لحظة الامتحان، وما يهال على قواعدها ومراحلها من خيالات تنزع عنها وظيفتها الدنيوية المعيارية، وتحولها إلى تجربة شعورية صاعقة، فأكتشف تدريجيا أن الرعب هو من اختلال منظومة القياس، أو فقدانها للتوازن، وفشلها في الكثير من الأحيان في اختبار الجوهر.
كاتب مغربي

قيم الموضوع
(0 أصوات)