ardanlendeelitkufaruessvtr

فريضة التغيير رغم الأعصاب العارية

بقلم سعد القرش تموز/يوليو 03, 2018 376

فريضة التغيير رغم الأعصاب العارية
في ذكرى صعود 30 يونيو تكتشف رعب السيساوية من فكرة التغيير، والإصرار على التماهي بين شخص ودولة ستنهار بغيابه، أو انتهاء فترتي حكمه وفقا للدستور.
السيسي لم يطرح نظرية للحكم أو رؤية للمستقبل
لم يترك جمال عبدالناصر نظرية للحكم، وإن وضع في كتابه المبكر “فلسفة الثورة” تصورات أولى لثائر لم يتورط بعد في معجنة السياسة. وكان عنوان “فلسفة الثورة” أكبر من محتواه، وبذكاء أدرك عبدالناصر هذه الحقيقة، وقال إن كتابة “خواطر” لا تمنحه “مقعد أستاذ التاريخ… محاولات مبتدئ في التاريخ”. واستعرض المشهد الذي اضطر الجيش بعد 23 يوليو 1952 “للعمل في عاصمة الوطن، وليس على حدوده”، ورسم خارطة جيوسياسية تضم ثلاث دوائر: عربية وأفريقية وإسلامية، في مواجهة العدو الإسرائيلي، ونبه إلى “الدور التائه الذي يبحث عن بطل يقوم به… إن في هذه المنطقة التي نعيش فيها دورا هائما على وجهه يبحث عن البطل الذي يقوم به”، واستشهد بمسرحية لويجي بيرانديلو “ست شخصيات تبحث عن مؤلف”.
قدم عبدالناصر تجربة لا يُختلف على وطنيتها، وتفاوتت فيها أحجام النجاح والفشل، ولم تخلُ من إلهام ساسة وثائرين من نيلسون مانديلا وكوامي نكروما إلى هوغو تشافيز. ولم ينشغل الرجل بتنظير يضعه بجوار لينين وتشرشل، ولكن “الناصريين” يواصلون تأويل التجربة إلى تصور يسمى “الناصرية”، مستشهدين بإنجازات لم يتمكن حسني مبارك من التخلص الكـامل منها. ولا تقارن “الناصرية”، في مقولاتها النظرية وترجمتها العملية، بحماسة لفظية إعلامية لشيعة عبدالفتاح السيسي الذين يُسمون “السيساوية”، وهي كلمة ملتبسة تحتمل أن تكون اسما لنظرية ولافتة لأنصار شخص، على رجل خلّف مصطلحين: الناصريين والناصرية.
يجادل الناصريون بأن مصر انتقلت من الاحتلال والتبعية إلى الاستقلال والإلهام، ثم تراجعت إلى التبعية منذ ما عرف بمعاهدة السلام وصولا إلى عهد السيسي. في ظل استقلال القرار، ورغم الحروب، مات عبدالناصر ونسبة التضخم حوالي 5 في المئة، وصعدت النسبة عام 1975 إلى ما بين 20 و25 في المئة، وكانت ديون مصر المدنية والعسكرية أربعة آلاف مليون دولار، وأغلبها كان لتمويل مشروعات إنتاجية. وبعد التبعية بلغ الدَّيْن عام 1981 ثلاثين ألف مليون. يذكر محمد حسنين هيكل في كتابه “لمصر لا لعبدالناصر” أن الدين المصري عام 1970 كان “يمثل نصف الدين التركي!”، وأن معدل النمو الاقتصادي من 1960 إلى 1965 بلغ 6.6 في المئة، وفقا لتقرير البنك الدولي الذي سجل قيام مصر “بتنمية تماثل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه في الأربعين سنة السابقة على عصر عبدالناصر… هذه النسبة كان يعز مثيلها في العالم المتقدم، باستثناء اليابان وألمانيا الغربية ومجموعة الدول الشيوعية”. فما علاقة السيساوية بهذا “التاريخ؟”.
“السيساوية” في السؤال السابق تعني من ينصرونه ظالما ومظلوما؛ فلم يطرح السيسي نظرية للحكم أو رؤية للمستقبل. ومحاربة الإرهاب رغم الدماء والأرواح لا ترسم إستراتيجية، فماذا بعد انتهاء ظاهرة الإرهاب؟ لا يتعلق كلامي بالخبز السياسي اليومي، وإنما بالأفكار المؤسسة التي تسبق السياسات، ولا أجد أثرا لهذه الأفكار التي تميّز مخططا صممه معماري لصرح، بعد دراسات لطبقات التربة وتأثير للزلازل، عن بنّاء مهمته الرص الآلي للحجارة، ولو خلا جيبه من خارطة للموقع، ورأسه مما يمكن أن يتعرض له الصرح من أخطار، ولعله يجهل القراءة.
    عبدالناصر قدم تجربة لا يُختلف على وطنيتها، وتفاوتت فيها أحجام النجاح والفشل، ولم تخلُ من إلهام ساسة وثائرين من نيلسون مانديلا وكوامي نكروما إلى هوغو تشافيز
يوجد تصميم على تنفيذ ما يشبه السيناريو الضامن للتبعية، رغبة لا تبالي بتوسلات خبراء اقتصاديين فوجئوا بقرار الاقتراض من صندوق النقد الدولي. ما سمح بنشره وإذاعته في ظل القبضة الإعلامية رفضَ هذا التوجه، وطرح بدائل للقروض، وحذر من تأثير الاقتراض على رفع الدعم عن سلع أساسية، وتحول مصر إلى دولة جباية لا حماية، وألح متخصصون وطنيون على حتمية تأثر القرار السياسي بقرض لن يسهم في مشروع إنتاجي. ولم يبال مسؤول، ثم اشتعلت الأسعار التي قد تكون مقدمة لاشتعالات أخرى.
ما حصده الشعب، خلال أربع سنوات من حكم السيسي، يبدو عقابا على أشواقه، أشواق الشعب لا السيسي، إلى الحرية والاستقلال الاقتصادي والسياسي والعدالة الاجتماعية، تلك أماني سبقت ثورة 25 يناير 2011 وبدت قطوفها دانية بعد الخروج الكبير في “جمعة الغضب”، ولكن تلك الأحداث تذكر الآن على استحياء، وبشيء من التعريض الرسمي، وانتقاد كتبة النظام لما تمثله 25 يناير، ويكفي رصد أحوال السيساوية في ذكرى 30 يونيو 2013 لمعرفة قدر الحقد على ثورة 25 يناير.
في ذكرى صعود 30 يونيو تكتشف رعب السيساوية من فكرة التغيير، والإصرار على التماهي بين شخص ودولة ستنهار بغيابه، أو انتهاء فترتي حكمه وفقا للدستور. الدولة أقوى وأشد رسوخا من أي شخص، وأكبر من حكامها منذ مينا والعظيمين تحتمس الثالث ورمسيس الثاني، وصولا إلى عبدالناصر الذي مات وعاشت مصر. ولكن منزوعي الخيال تصيبهم هستيريا كلما ذكرهم أحد بأن التغيير فرض لا سنة، وأنه نهاية طبيعية للمدة الدستورية الثانية. وتتوتر أعصابهم العارية، ولا تحتمل الحقائق، فيستسهلون الشتائم، ولا يقارن بسبابهم الفاحش إلا حصائد ألسنة حشود الإسلامجية الحالمين بعودة محمد مرسي إلى الحكم.
فبعد نشر مقالي “ما بعد السيسي.. أربع سنوات تكفي لتغيير آمن”، في صحيفة “العرب” الأربعاء 27 يونيو 2018، فاجأتني ردود من هذا النوع الهستيري، وكتب أحدهم “لن نسمح لك بهذا التخريب الممنهج وإن كان الشعب المصري ترك الساحة لأمثالك من قبل وحصد الخراب فإنه لن يصمت على هذا النهج التخريبي مرة أخرى.. تحيا مصر”. اسمه جمال، ولا أعرف هل هو مواطن متحمس، أم فرد في كتيبة إلكترونية؟ ربما يكون اسما وهميا، واجهة إحدى المنصات الإلكترونية، في فضاء يتقاسمه بغير عدل ممسوسون بالدكتاتورية العسكرية والدينية، ويتقاذفون الاتهامات والتخوين الديني والوطني.
انتهى حكم الإخوان عام 2013، واستمر خطابهم الديني في السياسة سلاحا يشهره رجال دين رسميون، فالسبت 30 يونيو 2018 بلغ الهوى بالمفتي السابق علي جمعة مبلغا يقرن فيه السيسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، بتصريحه لبرنامج تلفزيوني أن 30 يونيو 2013 “يوم من أيام الله، لأن الله قد أزاح الغمة، وكشف هذه الغمة عن تلك الأمة، ونصر المؤمنين ومكنهم في الأرض، وأزال دولة الفاسقين الفاسدين المجرمين، لعنة الله عليهم أجمعين، أولئك الذين يلعنهم الله والملائكة والناس أجمعين.
30 يونيو من أيام الله، وربنا أمرنا أن نذكر بأيام الله، ومعناه أن الله قد نصر فيه عبده، وأعز فيه جنده، وهزم فيه الأحزاب وحده”، ولم يكتف بهذا التدعيش العكسي، بل نسج من ضميره وحِجره سلة تجاورت فيها ثلاثة أيام “من أيام الله”: 30 يونيو وغزوة بدر وفتح مكة. وسبحان القادر على صون العقول والضمائر من أمراض الشيخوخة والهوى.
روائي مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)