ardanlendeelitkufaruessvtr

شهادات بأسعار تنافسية
حميد سعيد
إمكانية الحصول على شهادات جامعية من سوق مريدي، صارت تتكرر، ولأن الشهادات المزورة أو غير الحقيقية، صار يمكن الحصول عليها بأكثر من وسيلة.
الخراب شمل كل مناحي الحياة في عراق اليوم
في السنة الأولى من سني إقامتي في عمّان، وكنّا ما زلنا نحظى باهتمام معارفنا، سواء كانوا في العراق أم في الأردن أم في بلدان أخرى، ذلك الاهتمام الذي يكاد يغيب بمرور السنين، فقد تمر سنة وأخرى ولا يتلقى المرء رسالة أو مكالمة هاتفية من أقرب أصدقاء الأمس.
نعم.. في السنة الأولى من سني إقامتي بعمّان، وفي ليلة شتائية قاسية، يهاتفني شخص أعرف أسرته، وكان قبل احتلال العراق في سلك الشرطة، ثم التقينا في مقهى، وقد جاءني بكمية من قيمر الحلة ومثلها من جبن الأرياف، بعث بها أحد أقاربي من مدينة الحلة، وأخبرني الشخص المذكور، أنه يعمل سائقا عند أحد المسؤولين الجدد، وأنه على استعداد ليحمل إليّ كل ما أحتاجه من العراق.
ولم أكن بحاجة إلى شيء، حتى الدواء، فقد كنت حينذاك في صحة جيدة ولا أعاني ما أعانيه الآن من تراجع صحي، غير أنه فاجأني من دون مقدمات وبعيدا عن سياق حديثي معه، بأن أخرج من حقيبة كانت معه، ورقة، وقال لي بكل ثقة “هذه شهادة بكالوريوس في العلوم السياسية”، ثم أخرج ورقة ثانية وقال “هذه هي الشهادة مترجمة إلى اللغة الإنكليزية”، وأكمل حديثه قائلا “إنها شهادة حقيقية، وليست من شهادات سوق مريدي” لم أعلق على ما فاجأني به، ولم أسأله بشأن شهادته أي سؤال، وبخاصة عن النسخة المترجمة إلى الإنكليزية، وأنا أعرف أنه لم يتجاوز في دراسته مرحلة الدراسة المتوسطة، وقد لا يستطيع كتابة اسمه بالإنكليزية.
حين غادرت المقهى، وكنت أقيم في شقة فندقية، وجدتني أفكر بشهادة صاحبي الجامعية، وكيف حصل عليها وماذا سيفيد منها، وما معنى قوله “إنها شهادة حقيقية وليست من شهادات سوق مريدي”، وأنا أعرف سوق مريدي، إذ زرته أكثر من مرة، من باب الاطلاع ليس إلا، وكنت أعرف أن كل شيء يباع فيه، لكن ما علاقة سوق مريدي بالشهادات الجامعية؟
وبخاصة أن الخراب لم يكن قد وصل إلى ما وصل إليه الآن، لكن هذه المعلومة، أي إمكانية الحصول على شهادات جامعية من سوق مريدي، صارت تتكرر، ولأن الشهادات المزورة أو غير الحقيقية، صار يمكن الحصول عليها بأكثر من وسيلة، وكنت ألاحظ أن بعض الأشخاص ممن لم يكملوا الدراسة الإعدادية صارت أسماؤهم تقترن بصفة الدكتور أو البروفيسور.
 فما عدت أشغل نفسي بهذا الخراب المعيب، وبخاصة أن الخراب شمل كل مناحي الحياة في عراق اليوم، وصار هذا الخراب حيث يميل المواطن، لكن الذي أعادني إليه هو التقرير الذي نشره أستاذ جامعي شجاع استطاع أن يصل إلى موقع إنتاج الشهادات المزورة التي تباع في سوق مريدي لمن يشتري ولمن يدفع، حيث اطلع وأطلعنا على أدق التفاصيل في هذا الشأن.
ليست المعلومات التي وردت في تقرير الأستاذ الجامعي جديدة، لكنها تؤكد جميع ما كنا قد سمعنا به أو قرأنا عنه، أو ما كشفت عنه جهات مختصة بشأن جامعة مريدي وغيرها من مؤسسات تزوير الشهادات، حيث التقى رجلا سبعينيا يرتدي الملابس العربية ويصبغ لحيته وشاربيه، وهذا -البروفيسور- هو رئيس جامعة مريدي، الذي صرح للأستاذ الجامعي قائلا “أقسم لك أن الكثيرين من السادة المسؤولين، أخذوا شهاداتهم من هنا، وشهاداتنا تعمل أحسن من شهادات لندن وباريس، ولدينا فرع متخصص بإعداد وثائق الرتب العسكرية”.
وإذ كنت أبدي استغرابي مما ورد في التقرير المذكور، قال لي صديق صحافي على معرفة بأسرار سوق مريدي وخفاياه “لقد أصبحت شهادات سوق مريدي بائرة، وصارت لها بدائل من عناوين كثيرة داخل العراق وخارجه، وبخاصة في إيران، حتى أن جامعة سوق مريدي العريقة، اضطرت في السنوات الأخيرة إلى الإعلان عن تنزيلات كبيرة وأسعار تنافسية لشهاداتها”.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)