ardanlendeelitkufaruessvtr

أطفال الحب

بقلم لمياء المقدم تموز/يوليو 20, 2018 84

أطفال الحب
ما يطلق عليهم "أطفال حرام" هم في الغالب "أطفال حب"، وحقهم في الحياة والمساواة لا يجب أن يوضع محل تساؤل أو شك.
الطفل هو الطفل، سواء نتج عن زواج أو عن حب، أو حتى عن اغتصاب
أتابع هذه الأيام قضية معروضة أمام القضاء المصري ومتداولة في الرأي العام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي حول صحافية مصرية تتهم رساما تشكيليا معروفا بالزواج منها عرفيا والتسبب في حملها وإنجابها لطفلة، ثم التنكر لها ولطفلتها البالغة من العمر عاما ونصف العام تقريبا.
لن أدخل في تفاصيل القصة نفسها التي أصبحت معروفة للقاصي والداني بعد أن عمدت الأم إلى طرحها على الرأي العام من أجل الضغط على الأب للاعتراف بابنته، كما أنها تشبه في تفاصيلها كثيرا من القصص التي نسمعها كل يوم في معظم الدول العربية التي مازالت قوانين حماية الطفل فيها تعاني من الكثير من التأخير.
لكن حقيقة أريد أن أشير إلى عاملين إيجابيين مهمين من وجهة نظري في مثل هذه القضايا:
العامل الأول يتمثل في التحول الحاصل لدى الأمهات اللاتي أصبحن يجاهرن بهذه القضايا وينقلنها إلى الرأي العام ويتقدمن بمطلب للقضاء لإثبات نسب أولادهن من زواج غير رسمي، رغم كل الضغوطات والاتهامات التي يتعرضن لها، ورغم الأحكام المسبقة والقاسية التي تلاحقهن وتلاحق أطفالهن، وهذا من وجهة نظري تحول مهم ودليل على “التمكين” الحاصل لدى الأمهات اللاتي يتعرضن لهذه التجارب، ما أدى إلى تقوية قدرتهن على المواجهة والتصدي لَيس فقط للمجتمع وإنما أيضا للأعراف والتقاليد التي تحكمه.
وأظن أن نجاح عدد من القضايا المشابهة في انتزاع اعتراف قانوني من الأب بالطفل شجع الأمهات على الدخول في هذه المعارك المؤلمة أملا في الحصول على حكم مشابه.
وفي رأيي أن هذا التحول سيؤدي تدريجيا إلى مطالبة الأمهات بسن قوانين جديدة تسمح لهن بتسجيل أبنائهن بأسمائهن، والتخلي عن فكرة إجبار الأب على الاعتراف بالطفل، علما وأن الاعتراف الجيني يختلف عن الاعتراف الإداري، فبمقدور الأم أن تتقدم بطلب عمل فحص البصمة الوراثية وعلى القوانين أن تدعمها في ذلك، لكن ترتيب وضع الطفل الإداري والمالي لا يجب أن يترك للأهواء والرغبات الفردية، بل يجب إيجاد قوانين وتشريعات تؤمن للطفل وضعا قانونيا آمنا بغض النظر عن الظروف والملابسات التي أدت إلى مجيئه إلى هذا العالم.
أيضا يلاحظ أن مثل هذه المبادرات تشهد خروجا من إطار العملية الانتحارية الفردية التي تقدم عليها سيدة ما لوحدها إلى ما يشبه الحملة الجماعية التي تتزعمها مجموعات بعينها مثل مجموعة “المثقفين” أو “القانونيين” أو الجمعيات أو غير ذلك، أي أن الموضوع بدا يأخذ صيغة الإجماع.
العامل الثاني الذي أجده إيجابيا من وجهة نظري هو انتشار نظرة جديدة ومختلفة للعلاقات الثنائية خارج إطار الزواج باعتبارها علاقات حب وشراكة قائمة بذاتها ومستقلة، وفي أخذها لما يشبه الصبغة الرسمية على نحو ما، وإن كان الأمر لا يزال في بدايته، فالثقافة العربية لا تعترف إلا بالزواج كإطار شرعي وقانوني للعلاقة بين امرأة ورجل.
 عكس القوانين الغربية التي تشرع لأنماط مختلفة من العلاقات وتضع لها إطارا قانونيا ورسميا بحيث يمكن لشخصين أن يسجلا علاقتهما في سجلات الحالة المدنية من دون زواج، تحت ما يسمى مثلا بـ”علاقة شراكة”، أو “الحياة  المشتركة”، والتي لا تختلف كثيرا في محتواها عن علاقات الزواج إلا في بعض التفاصيل والمعاملات المادية، كمفهوم توزيع الثروة بينهما في حالة الانفصال.
وأظن أن المجتمعات العربية أصبحت أيضا في حاجة ماسة إلى الاعتراف بمثل هذه العلاقات وإعطائها صبغة قانونية تنظمها وتنظم ما يترتب عليها من أبناء، عبر المساواة بينهم وبين الأطفال الناتجين عن زواج رسمي في المواطنة والحقوق والواجبات، كأن تمنح الأم حق تقرير مصير طفلها من زواج غير رسمي، وتسجيله باسمها أو اسم شخص آخر، ونحن نعرف جميعا أن القوانين الغربية تساوي بين الأم والأب، بما في ذلك المتزوجين، في حق تسجيل الطفل باسم أحدهما، أي يمكن للطفل أن يأخذ لقب الأم المتزوجة دونا عن الأب.
في النهاية الأولوية للإنسان، والطفل هو الطفل، سواء نتج عن زواج أو عن حب، أو حتى عن اغتصاب، وما يطلق عليهم “أطفال حرام” هم في الغالب “أطفال حب”، وحقهم في الحياة والمساواة لا يجب أن يوضع محل تساؤل أو شك.
كاتبة تونسية

قيم الموضوع
(0 أصوات)