ardanlendeelitkufaruessvtr

«كارامبول» نتنياهو بين السيسي وحزب الله

 

الياس خوري

 

لا يمكن وصف المناورة الكوميدية التي قادها نتنياهو في إسرائيل، والتي أدت إلى طرد موشيه يعالون من وزارة الدفاع والتحالف مع ليبرمان عبر دخول زعيم «إسرائيل بيتنا» إلى الائتلاف الحكومي، سوى بكلمة تلاعب.

نتنياهو لم يلعب مع زعيم حزب العمل هرتسوغ، بل تلاعب به، ولم يتفاوض مع السيسي حول المؤتمر الاقليمي لحل المشكلة الفلسطينية، بل ضحك عليه، ولم يستمع إلى نصائح توني بلير، بل هزئ منه. في كرة بلياردو واحدة نجح زعيم الليكود الفصيح في الوصول إلى «كارامبول» سياسي لا سابق له. و«الكارامبول» في قاموس لاعبي البلياردو هو ان تضرب طابة كي تصيب طابات أخرى. لكن نتينياهو غيّر قوانين اللعبة، فضرب طابات عدة دفعة واحدة كي يصل إلى طابته الروسية التي اسمها افيغدور ليبرمان.

لن أدخل في لعبة رثاء يعالون والحديث عن استقامته، فهذا الجنرال العنصري الذي قتل خليل الوزير، وصنع مجازر غزة، صار اليوم عنوان شرف الجيش الإسرائيلي الذي فقد شرفه من زمان. كما لن اطرب لاتهام ليبرمان بالعنصرية، فهذا الرجل يعتبر اتهامه بالعنصرية مديحاً. يعلن تأييده للجندي ليور عازاريا قاتل عبد الفتاح الشريف، ويفاخر بصداقته للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

لا مدح يعالون سوف يقلل من عنصرية هذا الجنرال الذي غادر مناخات حزب العمل التي تربى فيها، لأنه وجد روحه في الليكود، ولا ذم ليبرمان سوف يخدش عنصرية هذا الروسي المافيوي، كل ما في الأمر أن إسرائيل تشهد لعبة كراس موسيقية على إيقاع «الكارامبول» الذي صنعه نتنياهو معلنا موت إسرائيل القديمة التي كانت تتغطى بالقيم الليبرالية الغربية وولادة إسرائيل الفاشية التي تمارس طقوس بدايات النازية في المانيا، مثلما عبر عن ذلك نائب رئيس اركان الجيش الإسرائيلي يائير غولان.

نتنياهو المهوّس بالسلطة والوفي للصهيونية التصحيحية التي تمايزت عن صهيونية حزب العمل بصراحتها اللغوية وصرامتها الفاشية، وجد أنه يستطيع أن يتلاعب بالآخرين. لعبته مع شبق حزب العمل للسلطة كانت بسيطة، القى عظمة لهرتسوغ وتركه يتبهدل، أما تلاعبه بالماريشال المصري فلم يتطلب منه بذل أي مجهود.

مشكلة مصر مع الماريشال الآتي من المخابرات العسكرية ليست الاستبداد فقط، فاذا أضيفت السذاجة إلى الاستبداد نكون في الوضعية التي سمحت لحاكم مصر ببيع الجزيرتين «ببراءة» من يدافع عن قيم تعلمها من والدته! أوحى نتنياهو للسيسي بأنه سيعود لاعباً اقليمياً بل وزيّن له انه شريك في تقرير تشكيل حكومة إسرائيل، وانطلت اللعبة، ليس على السيسي وحده بل على هرتسوغ أيضاً. اما بلير الذي تألق كتابع لجورج دبليو بوش في حربه الاجرامية الحمقاء على العراق، فقد صار بعد تقاعده من رئاسة الحكومة البريطانية بائعاً جوالاً، كحال معطم سياسيي اوروبا في مرحلة أفولها. لذا كانت خديعته سهلة ولا تحتاج سوى إلى معسول الكلام.

بالطبع هناك من يقول إن نتنياهو تأرجح بين خيارين، وأنه انحاز إلى ليبرمان في اللحظة الأخيرة خوفاً من تفكك ائتلافه مع «البيت اليهودي». وهذا قد يكون صحيحاً بشكل جزئي، لأن هوس نتنياهو هو السلطة. لكن هذا الرأي يتجاهل الانزياح الفاشي المعلن في المجتمع السياسي الإسرائيلي الذي عبرت عنه أزمة وزير الدفاع السابق، المتمسك بفتات تقاليد الجيش. فالمجتمع السياسي الإسرائيلي ذهب بعيداً في خطابه الفاشي والعنصري ولم يعد في مقدوره التراجع الا بثمن غال. دفنت إسرائيل مشروع السلام، وأعلنت أنها دولة مستوطنين بنتها المستعمرات، وان الابرتهايد المقونن هو مستقبلها المنظور. لذا لم يكن هرتسوغ والسيسي وبلير سوى طابات صغيرة في لعبة «الكارامبول» التي أوصلت رسالة ازدراء خاصة إلى الرئيس المصري عبر تعيين الرجل الذي اقترح قصف سد أسوان، وزيراً للدفاع.

غير أن مشهد «الكارامبول» الإسرائيلي لا يكتمل إلا في سوريا. اعلان نتنياهو من الجولان بأن الجولان سيبقى إسرائيليا الى الأبد، هو الوجه الآخر من اللعبة. لكن على عكس اللعبة الداخلية الإسرائيلية المعقدة، فإن اللعب في سوريا لا يقتضي من نتنياهو رمي طابته، بل التصرف كمتفرج على طابات الآخرين وهي تتدحرج في الملعب السوري، مكتفياً بتدخل موضعي وجراحي يحفظ له مطامعه ويحمي أمنه الاحتلالي.

هنا يأتي الوجه الآخر والأكثر خطورة لهذا «الكارامبول» الإسرائيلي العجيب، فهذا الرقص الإسرائيلي على الأشلاء الفلسطينية لم يكن ممكناً، لولا حال التفكك الشامل في المشرق العربي، حيث تدور حرب دينية – مذهبية رهيبة وصلت إلى ذروتها في الدمار السوري الكبير. هذا الدمار الذي شمل مختلف أوجه الحياة الإنسانية يتحمل مسؤوليته الأولى النظام الاستبدادي المافيوي الذي أغرق سوريا في الدم، واستدعى كل الأصوليات الاستبدادية إلى حقل الموت السوري. انه دمار للقيم الانسانية التي تحولت إلى لغو اسمه الممانعة. انزلاق حزب الله اللبناني إلى حقل الموت هذا، وقرار الدفاع عن نظام يقتل شعبه، افرغ الكلام من معناه. اذ لا يعقل ان تكون هناك مقاومة هدفها قمع الشعب. ولا يستطيع عاقل أن يفهم كيف يذهب جيش لبناني شبه نظامي لقتال السوريين. تكفي نظرة سريعة إلى الخريطة لنكتشف أن مشاركة لبنان او بعض اللبنانيين، الذين هم جزء رسمي من السلطة، في احتلال سوريا هو عين الجنون. 

ماذا تريد إسرائيل الجابوتنسكية الليكودية التي قررت أن تعيش خلف جدار الحراب، أكثر من أن ترى المشرق العربي وقد أوصله الاستبداد إلى الخراب؟

نجحت سياسة الملالي في طهران في مصادرة فلسطين والاستيلاء على قضيتها، بعدما تنحى أصحاب القضية الذين غرهم سراب الدولة المستقلة وغرقوا في أوهام السلطة ومنافعها، وهي تقوم اليوم بتبديد رأسمالها الفلسطيني في الحرب السورية. وأخذت معها إلى الهاوية حزبها اللبناني الذي لم يعد قادراً على غسل يديه من الدم السوري. هذه السياسة قدمت مبرراً لمن لا يحتاج إلى مبرر كي يهرع إلى إسرائيل طالبا الود والشرعية. كما قدمت الحجة الأخيرة التي سمحت لأنظمة الكاز والغاز بالكشف عن استعدادها للتحالف شبه العلني مع «الشيطان» الإسرائيلي.

نتنياهو يلعب ويتلاعب معتقداً أنه امتلك كل الأوراق وصار اليوم رئيساً أبدياً لحكومة إسرائيل، لكنه نسي، في غمرة انتفاخه، أن الضحية الفلسطينية لم تقل كلمتها، وأن كلام أصحاب القضية هو المؤهل وحده لأن يعيد للغة معناها، ويحوّل «الكارامبول» الإسرائيلي ولغو المستبدين من العرب والعجم إلى ركام.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

مقالات اخرى ل وكالة الحدث الاخبارية

صحيفه الحدث