ardanlendeelitkufaruessvtr

أصيلة

بقلم شرف الدين ماجدولين تموز/يوليو 25, 2018 90

أصيلة
الحلم الفردي للأستاذ محمد بن عيسى، المثقف ورجل الدولة الرفيع، ما كان له أن يرسُخ لولا استبطانُه لمشروع بسعة التطلعات الجماعية.
أصيلة وحدها تمتلك قدرة الجذب والاحتضان
ليست فكرة ولا مسارا ولا فردا ولا جمعا، يمكن أن تكون بعضها أحيانا أو كلها أحيانا أخرى، لكنها دوما سؤال للمقيمين والعابرين، الراسخين والمأخوذين بصعقة هوى نافد لقرار الروح، المسحورين البعيدين ممن يخيّل إليهم أن الأفكار والمدن يمكن أن تتصالح لبرهة من الزمن، وأن بإمكان أسمائها المنتقاة بصدف سعيدة أن تتواءم مع الكنه والبنيان والبشر المزدهرين بفتن العيش، لكنها بعد كل ذلك وقبله مدينة احتضنت العالم المتخاصم والمتنابذ والمتنائي؛ احتضنت كباره من صانعي مصائره والحالمين بنقائض تلك المصائر، يجول في دروبها رجالات الدول ومعارضيهم فقط لأنهم ارتاحوا لفكرة أن تتحول خلافات الشعوب والدول والكيانات الجغرافية والأعراق واللغات إلى عناوين وأسئلة يمكن أن يلتف حولها المختلفون قبل أن ينهلوا بعد ذلك من حبور التشارك في بقعة صغيرة لها طيبة العطاء الفرح.
إذا استعملنا لغة القياس يمكن التمييز بين ثلاث مراتب في الانتماء لأصيلة وموسمها، قد تبدأ بالحضور، قرين الاستكشاف والتعلُّم واكتساب صداقات استثنائية مجدية في الحياة وفي الثقافة. ثم مرتبة الإسهام في إحدى فقراته المختلفة: ندوة فكرية أو تكريم أدبي أو معرض فني أو حفل موسيقي؛ وهي مرتبة لا تدرك إلا بوصفها تتويجا لمنجز لافت، وقد تكون بمعنى ما استقطابا لمشروع فردي إلى عقيدة ثقافية، ترى إلى كنه الاجتهاد الفني من خلال جدواه وأثره في تحولات المجتمع والمعارف والإبداع الإنساني. وقد تنتهي تلك المراتب جميعها، ويجب أن تنتهي، بلحظة الإيمان بالحلم الحضاري لموسم أصيلة والتماهي معه والنضال لاستمرار رسالته.
ولعل الناظر اليوم إلى ما تحقق سنة بعد أخرى في ذاكرة موسم أصيلة على امتداد أربعين سنة من النضال لأجل الاستمرار وتعميق الوظيفة النهضوية للحظات الالتقاء بين زعماء ومفكرين وفنانين وأدباء من مختلف أصقاع المعمور، لا يسعه إلا أن يقرّ بأن الحلم الفردي للأستاذ محمد بن عيسى، المثقف ورجل الدولة الرفيع، ما كان له أن يرسُخ لولا استبطانُه لمشروع بسعة التطلعات الجماعية، وأن ما تواتر عبر عقود من تأمّلات وخطابات، حول الانشغالات الكبرى التي تهمّ الهوية والحاضر، لم يكن من شأنه أن يستمر لولا إصاخته السمع لنبض المجتمع والبلد الحاضن وامتلاكه القدرة على إقناع منتجي الأفكار والمشاريع والخيرات الرمزية والقدرات الاقتصادية، وتحوله من ثم إلى موعد سنوي لازم لجرد الحساب والوقوف عند المقتنص والمهدور من الفرص.
وكم كان مدهشا لجيلي أن نستمع ونلتقي عبر ربوع المغرب لأعلام نادرين في التداول، كان قدومهم مرتبطا بموسم أصيلة، من إميل حبيبي إلى غسان تويني، ومن الطيب صالح إلى مروان قصاب باشي، ومن محمود درويش إلى هشام شرابي، وغيرهم وغيرهم.. وحين كان حتى التلفزيون نفسه عاجزا عن تأميم تلك الأسماء وتقريبها من الناس، كانت أصيلة وحدها تمتلك قدرة الجذب والاحتضان.
كاتب مغربي

قيم الموضوع
(0 أصوات)