ardanlendeelitkufaruessvtr

حديث الخميس: من سحر المدن

حسان الحديثي 
 
عقدان من الزمن ، وانا اتنقل بين المدن كالبدويِّ الذي يُفني ظهرَ دابته ويتلفُ عصاه ساعياً وراء الماء والكلأ مع اختلاف آلة السفر وزوادة المسافر.
 
عقدان من الزمن ، رأيت فيهما عجائب الهند وغابات افريقيا، رأيت بداوة الشرق وتكنلوجيا الغرب، رأيت سحر أوروبا وفتنة امريكا رأيت عجائب المدن البعيدة وغرائبَ طبعتها عليها السنون والأزمنة، وما تركته من اثر على وجه االأمكنة وصفحات الأرض والتأريخ.
 
غير ان مدينةً لا تكاد تغيب عن مخيلتي حتى تستيقظ من جديد ولا تكاد تُنسينيها مدينةٌ أخرى حتى تعودَ لتطفو على وجه الذاكرة وكأنها السحر او لعلها أثرُ فتاةٍ ذات حسن ودلال وجمال وكمال في قلب عابد عاشق. 
 
مدينةً سحرت عين رائيها وملكت قلب زائرها، فتراه رهينَ سيماها وأسيرَ ذكراها معلقاً بطرف حبلٍ  ثنياه بيدها تجرني اليها كلما فلَّ قلبي عنها ، وان بعدت به السنون وشطت به الدروب والسبل.
 
هي ام الفتنة والسحر وصاحبة المرابد والنخل، مليحة تعيش بروحين؛ روحِ دجلة وروحِ الفرات، وكأنها تستلّهما اليها من منبعيهما استلالاً عبر الصحاري والوديان والحقول والمدن غير آبهة بصعوبة الارض ولا طول المسافة حتى تلمّهما اليها لمّاً فتمزجهما مزج ساحر حكيم لتصوغهما روحاً اخرى فتبثها في شط العرب.
 
مدينة سفرها ليس كالاسفار، ولا شأنها كشأن باقي المدن والامصار.
 
فهي ربيع دائم وكنز عائم، محفوفة بالخيرات من كل جانب، ارضها عطاء واعلامها علماء واهلها -وان جارت عليهم الدهور والازمنه- اهل جودٍ وكرمٍ وسماحةٍ وسخاء.
 
لم اشعر  بالسكون والدلال، والراحة وصفاء البال، مثلما كنت اشعر حين اكون فيها، كنت اشعر بالبساطة في كل شي والعفوية في اي امر، الحياة فيها بلا تكلف والعيش بها بلا تجمل.
 
ولمدهش في هذه المدينة والعجيب أن لا غُربةَ فيها لزائر أو لغريب ، فأشعر وكأنني عشت بها ايام طفولتي، وصباي وفتوتي، فالجميع قريب والكل مألوف والناس حولي وقربي كأنهم اهل بيتي وبقية صحبي.
 
مدينة لا استبدل ساعة أجلس فيها على شط العرب بساعة اخرى في الحياة، ساعة أُسرّح النظر فيه؛ تارة ليفك رموز موجة لصقت بموجة، وأخرى ليرتق فتقاً احدثه "بَلَمٌ عَشّاريّ"١ وقد رقص الماء مداعبا حيزومه، وهو يغادر ضفة العشار الى ضفة التَنّوْمَة ٢.
 
فاطيل الجلوس على شط العرب حتى اذا اقرَّ عيني منظرُ الماء، واحسست بالارتواء والانتشاء، تمشيت بمحاذاته وكأني وإياه بجنبي مالك ابن الريب ووادي الغضا، فلا انا بقاطعه ولا بالمبتعد عنه ولسان حالي يقول:
فليتَ الغضا لم يقطعِ الركبَ عرضٰه
 
وليت الغـضـا ماشـى الـركـبَ لياليا
 
فلا أَملُّ السير على كتفه والبقاء بكنفه جيئةً ورواحاً، وكلما مررت من تحت "حارس المعاني"٣ الواقف على شاطئه وهو لا يعبأ بصروف الليالي وتقلب الأيام، لا يفتأ يملأ المدى صائحاً بالخليج، ولا يزال يَسمع الصدى كأنه النشيج فأشعر حينها بنثيث قطرات من المطر قد لامست وجهي وإن كان الجو صحواً والسماء صافية كالزجاجة.
 
فإذا زالت الشمس الى المغيب وخيم الليل، إستُبدل ضجيجٌ الزحمة بهمسات السمار وأنارت العتمةَ وجوهُ الناس ولونت الابتساماتُ صفحةَ الظلام وانسابت الى سمعك خيوطُ صوتِ عودٍ هنا أو رنةُ نائحٍٍ بعتابٍ هناك، حتى اذا انتصف الليل ركدَ كل شئ توقفت الريح وسكنتْ امواجُ الشطِّ وهدأت انفاسُ  المارّةٍ وكأن الجميع يُصيخُ الى الأصمعي وقد بدأ يروي حكاياتِ الدهر والزمان، أو الكل يُعير سمعه للجاحظ وقد شرع بالشرح والدرس والبيان، حتى اذا تبلج ضوء القمر واسكرت الشطَّ أنفاسُ  السَحَر، إنحلتْ ظفيرةُ النور وانسابت ذهبيةً على صفحة الماء ، وأنا بين مصدّق ومكذّب أحدق النظر واقلب البصر، بين خيوط الضوء وخداع السراب يخُيل لي وكأن السيّاب قد تحرك من منبره متأهباً فِعْلَ من يهمُّ ليخوض فيه ليتبع النور على جرفه أو ليسمع صليل الحصى في جوفه
 
اي سحر هذا يا فاتنة العشاق والسمار، ويا ضرة البدور الأقمار ، 
اي فتنة تلك يا مَعين العلم ويا مِربد العرب ويا منبر اللغة والشعر والادب، وددت لو عدوت احمل النذور، اليك من قمح ومن زهور٤.
 
وددت لو تفيأت فيك ظلال كل خميلة، واطلقت بصري في ربوعك الجميلة، ايتها الرحبة الفيحاء والروضة الغناء الطيبةُ الآفياءِ والأهواء.
 
وددت  لو عادت بي الايام اليك حيناً من الدهر يا عروس النهر والبحر، أه لو رجعتُ اليك ساعة يا حلم الخيالِ  ويا مهد الصفاء وموطن الجمال، يا حلوة السِمات والقسمات، وعليله الانفاس والنسمات.
 
من لي بذياك العهد والزمان، من لي بهاتيك الليالي والساعات.
 
وددت لو كل سفن البحار تؤوب لشاطئك وكل دروب الارض تنتهي اليك وكل طائرات الكون تهبط فيك  فتكوني نهاية كل مسافر وسَفَر، ومحطَّ كلِ رَحْلٍ وراحلة.
 
لِأهنأ بسماءٍ بلا غيوم، ولتحرقني شمسها
وانعم بجمال شط العرب، وليغرقني موجه
فقد قال احدهم قديماً:
 
الشمس أجمل في بلادي 
ايها الناس ايها العالم: حتى الظلام هناك اجمل 
.
.
.
١- بلم عشاري: زورق معروف في البصرة
٢- التنومة: الضفة الاخرى من شط العرب
٣- حارس المعاني: السياب
٤- مقطع من قصيدة النهر والموت للسياب
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الخميس, 23 آب/أغسطس 2018 20:15
حسان الحديثي

حسان الحديثي
عراقي من مواليد مدينة حديثه/العراق ويعيش حالياً في المملكة المتحدة
كاتب وباحث ودارس في ألادب العربي وتاريخه
يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية
له كتاب ” حديث الخميس" بجزأين
ومخطوطة ” والسياب شاعر الانسانية الاكبر ”