ardanlendeelitkufaruessvtr

زيارة القمر

بقلم ميموزا العراوي آب/أغسطس 10, 2018 77

زيارة القمر
تجربة "القمر الدموي" بالنسبة للكثير من البشر الذين لا يزالون على اتصال مع "بشريتهم" تجربة غامرة من نوع أسمى، لأنها قائمة على مشاهدة ظواهر طبيعية غير مألوفة وباهرة الجمال.
القمر الأحمر واقع وتجربة غامرة
باسم التكنولوجيا والعلوم المتطورة نبدو مسرورين جدا في سوقنا لحرب ضروس ضد الزمن، وما يفرض من قوانين نريد كبشر أن نتخطاها أو نحلّ ذواتنا من الارتباط بها.
لا ضير البتة في هذا المسعى، لا سيما أن مفهوم الزمن وهم، كذلك هو مفهوم المكان. أما الضرر الفعلي فيقع، وقد وقع عندما أصبحنا كبشر نهيم في الأرض كمخلوقات الزومبي بين أنقاض إنسانيتنا بحثا عمّا يشبهنا ليؤنسنا في بؤسنا سعيا وراء أي إشارة حياة تعيدنا إلى ما كنا عليه، قبل ولادة الجيل الجديد من آلات الكومبيوتر الذكية.
ونبدو مسرورين جدا بكوننا أصبحنا كائنات فاعلة على الأرض، نبرمج أيامنا على إيقاع الواجبات ومشاريع الأعمال التي نود أن ننجزها، نبتسم لمن نريد في قرارة أنفسنا أن نتجاهله أو نقول له كم نكرهه، ونصرف من مخزون أيامنا المعدودة على إنشاء مساحة آمنة تسمح لنا بحماية ذواتنا من أي ضرر قد يصيبنا في حياة باتت عبارة بالنسبة للبعض مجرد تفعيل وتطوير لصمامات الدفاع، وللبعض الآخر ابتكار مهارات نعنف من خلالها الآخرين بتنويعات لا تحصى ولا تعد لنبسط نفوذنا ولنكرس وجودنا على حسابهم.
لأجل ذلك ربما كنا نحن بحاجة إلى موعد مع زيارة “القمر الخارق” والأحمر الذي انتظره وشاهده الملايين من البشر من حول العالم الشهر الماضي، كنا بحاجة إلى أن ينجح موعدنا معه ليعيدنا إلى بدائية المشاعر وطفولة الهواجس الإنسانية، وإن للحظات قليلة، لنتأكد أن الزمن خرافة، والمكان كذلك الأمر، ولكن مكانتنا في هذا الكون الشاسع الذي لا حدود لغموضه أقل بكثير ممّا نريد أن نعتقد.
وكنا بحاجة إلى أن ينادينا القمر الأحمر كمغناطيس ملطخ بدماء إنسانيتنا لكي نحيا تجربة غامرة نكون فيها المتأملين وما نتأمل في الآن ذاته، لعل حاجة الإنسان وبالفطرة إلى أن يختبر عوالم خارقة غير تلك التي اعتادها هي من أقوى الحاجات التي تعظم هيئاتها ومتطلباتها مع مرور الزمن وتطور الأدوات المسهلة لتشيديها لتكون مجاورة لما جرى على تسميته بالواقع المادي.
ولعل “الفن الغامر”، أو ما يسمى بالـ”إيمرسيف آرت” هو من أقصى تجليات هذه النزعة للفرار من محدودية النظر إلى وسع البصر، ويعتبر متحف “طوكيو” من أهم المتاحف المعاصرة التي تقدّم هكذا نوع من الفنون الصاعدة التي يختبر خلالها الزائر ذوبان الذهني/ المُتخايل، بالجسدي/ الواقعي، ولكن تبقى تجربة زيارة “القمر الأحمر” تجربة شاملة بعطفها الواقعي والمتخايل.
خطّط لها الكثيرون، والكثيرون منا سلكوا مسافات طويلة ووعرة في عمق الليل صعودا إلى الجبال العالية غير المُضاءة بالمصابيح الكهربائية ليختبروها، تجربة لا تشبه في شيء انتظار ومراقبة ظواهر طبيعية أخرى كـ”مراقبة العصافير” لأنها كائنات تعيش بيننا ليلا ونهارا، ليست من نوع مشاهدة بركان متفجر لأنه يحدث هنا، على الأرض، ومن جوف الأرض وله آثار تدميرية واضحة.
تجربة “القمر الدموي” بالنسبة للكثير من البشر الذين لا يزالون على اتصال مع “بشريتهم” تجربة غامرة من نوع أسمى، لأنها أيضا غير مصمّمة بشريا وقائمة على مشاهدة واختبار ظواهر طبيعية غير مألوفة وباهرة الجمال.
ليس هذا فحسب، فالمساحة، أو الفضاء هو فضفاض الحدود بشكل كبير جدا بالنسبة للفن الغامر، أما بالنسبة “لتجربة القمر الدموي” فإن الفضاء يُختبر شاسعا/ خارجيا، لأنك كإنسان تراه في مشهد طبيعي مفتوح، وهو مكنون/ حميمي، لأنه يهوي في بئر الذات لكي يعيد اتصالك بلا محدودية الكون وبضآلة حجمك بالنسبة له.. بضآلتك لولا روحك غير الفانية التي جُعلت بحمده جزءا منه.
ناقدة لبنانية

قيم الموضوع
(0 أصوات)