ardanlendeelitkufaruessvtr

المسنون.. الفئة الأضعف والأكثر معاناة

بقلم عبدالستار الخديمي آب/أغسطس 12, 2018 128

المسنون.. الفئة الأضعف والأكثر معاناة
الإهمال الاجتماعي فهو أشدّ وطأة على نفوس المسنين فاقدي السند العائلي والاجتماعي، فكم طالعتنا صور لهؤلاء تدمي القلوب وهم نيام كالأموات في العراء يتوسدون أديم الأرض ويلتحفون السماء في القيظ الحار أو البرد القارس.
كبار السن يحتاجون إلى رعاية خاصة جدا
كل المراحل العمرية التي يعيشها الإنسان لها دلالات مميزة سواء في حياته الخاصة على مستوى فردي أو حياته الاجتماعية التي تجمعه فيها بمن حوله علاقات عمودية وأفقية في إطار التفاعل وتقاطع المنافع والمصالح. ولكن المقياس الحقيقي لمدى تكاتف وتلاحم النسيج المجتمعي على مستوى الأفراد والأسر والجماعات، يتجلى في مرحلة الشيخوخة والتي يقع وسمها بـ“مرحلة اليأس” على اعتبار أنها المرحلة الأقرب إلى العجز وعدم القدرة الذهنية والنفسية والجسدية.
فمنطق الأمور يحتّم أن أي سياسة أو أي اقتصاد أو أي صحة أو أي رعاية في أي مجتمع كان، لا تعني بالضرورة عناية شديدة الخصوصية بهذه الفئة العمرية، فهي عقيمة ولا جدوى منها، لأنّ التقييم المنطقي لهذه المرحلة العمرية لهذه الفئة من الناس يجب أن يُثمّن إنجازاتها وتضحياتها ومجهوداتها في إرساء القيم والرخاء المادي.
ما جرنا للحديث عن المسنين معاناتهم الدائمة في مجتمعات أصابها الجحود وطغت عليها المادة والأنانية، حتى استفحلت الظاهرة وأصبحت من المواضيع الاجتماعية التي تثير كثيرا من الجدل في ظلّ تباين المواقف الفردية والأسرية والاجتماعية من الظاهرة، ولعلّ التغييرات التي شهدتها البنى الاجتماعية على اختلافها ساهمت بدرجة كبيرة في معاناة هذه الفئة من الناس.
من الأسباب الرئيسية لمعاناة المسنين الوحدة وفقدان السند المعنوي والمادي، اللذان كانا نتيجة طبيعية لتفكك النسيج الأسري التقليدي الذي كان ينضوي فيه الأجداد والآباء والأحفاد تحت نفس السقف في تآلف نفسي ومعنوي واقتصادي يخضع بالضرورة لكبار السنّ، وهو أمر في غاية الأهمية خاصة على المستوى النفسي بحيث يشعر الشيوخ والعجائز بأنهم الفاعلون في حياة أسرهم بالمشورة أو أخذ القرارات والبرمجة المستقبلية.
فإذا ما استقر الأبناء في أسر فرعية مستقلة استقلالا ماديا ومعنويا فإن الوالدين يعيشان الوحدة المطلقة وخاصة عند وفاة أحدهما، ويضمحلّ التفكير والشحنات الإيجابية التي تدفع إلى الأمل في الحياة، مع تفشي أمراض الشيخوخة أيضا ولعل أبرزها السكري وضغط الدم وألم المفاصل وهشاشة العظام وضعف الذاكرة والمناعة.. وهذا كله يمكن أن يُحتمل إذا ما توفرت الإمكانيات المادية اللازمة لتوفير متطلبات العيش من مأكل ومشرب وملبس وخاصة توفير الأدوية والعناية الصحية.
في ما يخصّ الإهمال الأسري، أصبح من الطبيعي في أيامنا هذه أن يعمد بعض الأبناء إلى إيداع آبائهم أو أمهاتهم في دور المسنين، ليس بسبب العوز وقلّة ذات اليد ولكن للتخلّص من أعباء العناية المادية وخاصة العناية النفسية والمعنوية، وكأن كبار السنّ سيعطلون الدورة الطبيعية لحياة أبنائهم. إنهم فقط كانوا جاحدين لحجم التضحيات التي قدموها من أجل رعايتهم والإحاطة بهم ومرافقتهم ليشقوا طريقهم في الحياة.
إنهم بكل بساطة لم يستوعبوا أن كبار السن يحتاجون إلى رعاية خاصة جدا كرعاية الأطفال الصغار لسدّ النقص المتأتي عن الضعف الذهني والجسدي وأن نفسياتهم شديدة الحساسية، يتأثرون لأبسط الأشياء سلبا وإيجابا. إن الأولاد يضحون بكل بساطة بآبائهم للتخلص من الأعباء المترتبة عن رعايتهم. وكما يقول المثل الشعبي التونسي “أولهم صغار وآخرهم صغار” حيث تبدأ الحياة بالعجز وتنتهي بالعجز أيضا.
أمّا الإهمال الاجتماعي فهو أشدّ وطأة على نفوس المسنين فاقدي السند العائلي والاجتماعي، فكم طالعتنا صور لهؤلاء تدمي القلوب وهم نيام كالأموات في العراء يتوسدون أديم الأرض ويلتحفون السماء في القيظ الحار أو البرد القارس، فإذا كان هناك أطفال الشوارع بلا مأوى ولا سند فهناك أيضا مسنّو الشوارع والفرق بينهما أن الفئة الثانية أقل قدرة على الصمود والتحمّل، في ظلّ انعدام أدنى مقوّمات العيش الطبيعية -لا مأوى ولا مأكل ولا ملبس ولا عناية صحية- كيف بإمكان هؤلاء أن يستمروا في هذا الوضع المزري؟
لا أعتقد في أي مجتمع كان أنه لا وجود لبرامج فعلية لاحتضان المسنين ولكن معاناة هؤلاء لم تنقطع أيضا بل استفحلت في بعض المجتمعات وأعتقد أن الأمر يعود إلى عدم وضوح الرؤية في احتضان المسنين لا داخل عائلاتهم فقط ولكن داخل فضاءات المجتمع بالنسبة للذين يفتقدون إلى أي سند معنوي أو نفسي. يجب على البرامج ذات الأبعاد الاجتماعية والصحية لاحتضان هذه الفئة أن يقع النأي بها عن كل التجاذبات الحزبية والسياسية وألاّ تكون عنوانا لأي مزايدات أو “أفيش” أو شعارا لأي غايات وأهداف انتخابية من أجل احتلال المناصب.
من الضروري أيضا القيام بحملات توعوية في فضاءات الناشئة كالمدارس لتعليم الصغار، بأن الكبار يمثلون رأس مال من التضحية والتجربة، وأنهم يمثلون الفئة الأضعف في المجتمع وأنهم محتاجون أكثر من غيرهم إلى العناية والرعاية والإحاطة النفسية والصحية والمادية. بذلك فقط تكتسب المجتمعات سمة “التكافل الاجتماعي” وهو ما من شأنه أن يقوي الروابط والعلاقات داخل العائلات وخارجها.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)