ardanlendeelitkufaruessvtr

النشر في العراق

النشر في العراق
لم يقتصر تميز دار نشر شهريار بالغزارة واستراتيجية التوزيع الممتازة وحسب، بل تجاوزه إلى الشكل على صعيد تصميم الأغلفة المتميز والتصميم الداخلي ومتانة التدقيق اللغوي.
المكتبات العريقة لعبت دورا مهما في تنشيط الحياة الثقافية في العراق
طالما احتكرت العاصمة العراقية بغداد وعلى مدى عقود طويلة من الزمن، عملية نشر وتوزيع الكتب والمطبوعات، وتحكمت، سواء عن دراية واستحقاق أم عن تعالٍ وهيمنة، بمفاصل الحركة الثقافية وآلياتها ومجرياتها، فانعزلت المحافظات العراقية أو كادت عن الحركة والفعل الثقافي، على الرغم من أن أغلب المفكرين والمثقفين والمبدعين العراقيين من تلك المحافظات، حتى صار انتشار المبدع الذي يقيم فيها، مشروطا بهجرته إلى العاصمة ونقل مشروعه الإبداعي إليها. أما هؤلاء الذين ظلوا أوفياء لمدنهم البعيدة ولم يحبذوا الهجرة إلى بغداد، فقد حرموا من تسليط الضوء على منجزهم وما حققوه من إبداع ثرّ وغزير وعميق.
لقد بقي الأمر على ما هو عليه حتى بعد التغيير الذي حصل في العام 2003، بعد أن تجاهلت أغلب الجهات الداعمة للثقافة العراقية تلك المحافظات والحياة الثقافية فيها وركزت على العاصمة بغداد وحسب، على الرغم من أن البعض من أدباء البصرة والناصرية وكركوك والموصل، قد تمكنوا في مرحلة من المراحل وبطريقة ما، من اختراق هذه العزلة والانتقال بمشاريعهم إلى الفضاء العربي، إلّا أنهم قليلون جدّا، في حين ظلت الأغلبية الساحقة من أدباء المحافظات يعانون التهميش والعزلة.
لقد تأسست في بعض المحافظات العراقية الكثير من المكتبات العريقة التي لعبت دورا مهما في تنشيط الحياة الثقافية هناك على مدى سنوات طويلة، لكنّ عملها ظل في الغالب مقتصرا على التوزيع وتوفير الكتاب لجمهور القرّاء ولم تدخل عالم النشر إلّا في نطاق محدود جدّا، ولعل الأمر نفسه ينطبق على إصدار الصحف والمطبوعات الثقافية التي صدرت بشكل محدود في كل من البصرة والنجف والموصل وظلت تعاني الانتشار، على الرغم من ثرائها وجدّيّة محتواها الرصين، مثل جريدتي “المرفأ” في البصرة و”الرأي” في النجف وغيرهما.
وعلى العكس من إصدار الصحف والمجلات التي شهدت انفلاتا غير مسبوق في المحافظات بعد الاحتلال، ظلت الحاجة لتأسيس دور نشر رصينة واحترافية ومثقفة تنافس مثيلاتها في العاصمة حاجة ملحة للغاية، ولا سيّما في المحافظات التي عُرفت بغزارة إنتاجها الإبداعي كالبصرة والناصرية والعمارة والنجف والحلة وكركوك والموصل، ولعل الأمر المفرح في السنتين الأخيرتين هو تأسيس دار شهريار للنشر والتوزيع في مدينة البصرة على يد الشاعر والناقد والناشر العراقي المجتهد صفاء ذياب، تلك الدار التي ولدت كبيرة ومنتشرة واحترافية ومدروسة منذ وهلتها الأولى، لكونها تستند إلى رؤية ثقافية وتسويقية مدروسة وواقعية إلى حدّ ما، لتكسر احتكار العاصمة بغداد على صعيد النشر، بعد أن تجاوزت الكثير من دور النشر العراقية المعروفة وحققت حضورا لافتا في معارض الكتاب العربية.
وعلى الرغم من اشتراطاتها الفنّية الصعبة وغير المتساهلة، إلّا أنّها استطاعت أن تستوعب، إلى حدّ ما، أغلب العطاء الإبداعي للمحافظات الجنوبية، بل وتنفتح إلى الفضاء الإبداعي العراقي كلّه. ولم يقتصر تميز دار نشر شهريار بالغزارة واستراتيجية التوزيع الممتازة وحسب، بل تجاوزه إلى الشكل على صعيد تصميم الأغلفة المتميز والتصميم الداخلي ومتانة التدقيق اللغوي، الأمر الذي منح إصداراتها طابعا مميزا خاصّا بها عجزت عن تحقيقه أغلب دور النشر العراقية.
وإذا كانت الحياة الثقافية في البصرة وبعض المحافظات القريبة منها زاخرة بالعطاء الثرّ والعميق على مرّ السنين، فإن قربها وانفتاحها على دول الخليج العربي يشكل فرصة مثالية لدار شهريار الرائدة في مجالها، للتواصل مع دور النشر الخليجية وربط مشروعها بمشاريع النشر والتوزيع الفاعلة في تلك المنطقة من عالمنا العربي، بالاستناد إلى التأسيس الثقافي البصري الذي تجمعه العديد من المشتركات مع ثقافات الخليج.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)