ardanlendeelitkufaruessvtr

هبوط الليرة التركية: الشيء بالشيء يُذكر

هبوط الليرة التركية: الشيء بالشيء يُذكر
عدلي صادق
لا يختلف اثنان في أن هناك مأزقا حقيقيا داخليا لحكم الرئيس رجب طيب أردوغان في تركيا، وهناك متربصون كُثر للنظام، وقوى ذات مصالح مضادة لمصالحه.
في مأزق حقيقي
بعيداً عن المُسلّمات الخاطئة التي حكمت توجهات الفكر الإسلامي العربي، على مر نحو قرن، أي منذ سقوط الدولة العثمانية؛ ونقطتها المركزية القناعة بأن تلك الدولة كانت تجسد عز الخلافة وأيقونة التاريخ التي تُرجى استعادتها، ومن خلفيتها حورب الفكر السياسي القومي، الذي يتوخى نهضة الأمة وتصفية بقايا الاستعمار؛ جاء حدث التقهقر الفادح في قيمة الليرة التركية لكي يُذكّر بمرحلة أو بنقطة، بدأ من عندها، في سياق لم ينقطع، أفول الإمبراطورية العثمانية، منذ العام 1839.
فالدولة الشاسعة، التي يتوسّل الإسلاميون عودتها، وجدت نفسها في ذلك العام مضطرة إلى الانزياح للعلمانية شيئاً فشيئاً، ولم يكن ذلك الانزياح بالطبع لتعزيز الاستقلال والإمساك بمقادير السلطنة دون منازع. ففي ذلك العام أقرت الدولة العثمانية مجموعة قوانين، في الإدارة والاقتصاد والاجتماع، ضمن وثيقة سُميت “التنظيمات” التي فتحت طرقاً واسعة لنفوذ الدول الأوروبية الاستعمارية في الداخل العثماني، حتى أصبح قناصل هذه الدول يحسمون شؤون الدولة، ويغترفون من الشرائح الشبابية عناصر تركية يمنحونها فرص التعليم في بلدانهم، وكان ذلك -بالمنطق المبسط- لتنشئة كادر يضطلع بمهام العصرنة والتحديث، في الإدارة والاجتماع والسياسة، وهو في حقيقته -وبمنطق مآلاته والفكر الاستعماري المعقد الذي يقف وراءه- للهيمنة على الدولة وأخذها في طريق التفكك والحساسيات العرقية والدينية. وعلى المستوى الإجرائي، فرضت على السلاطين منظومة قوانين أسموها “نظام الملل”، لمأسسة سلطات القناصل الأوروبيين داخل السلطنة، لكي يصبحوا رؤساء ذوي سيادة على الطوائف التي باتت محمية من دول أخرى، ومعول هدم لصلاحيات السلطة المركزية، وفتحت مجالاً واسعاً لليهود أو يهود الدونمة المتظاهرين بالإسلام. فقد ذهبت “التنظيمات” بالسلطنة العثمانية، بعد 39 عاماً من ذلك التاريخ، إلى إعلان “المشروطية” الأولى، أي الدستور العلماني الأول للدولة، الذي لم يستند إلى التراث الإسلامي، وإنما إلى بنود الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان دون سواه.
ولأن مقاصد الذين دفعوا السلطنة إلى هذه الوجهة ليست تحديثية وكفى، أو ليست تحديثية على الإطلاق، فقد ظلت ضغوط الدول الأوروبية مستمرة، تتدرج حركتها وتتمرحل، وما إن تُنجز هدفاً لصالح الدول الراغبة في السيطرة على السلطنة من داخلها، حتى تنتقل إلى هدف آخر. كان الإنجاز الأول قبل “المشروطية” يتعلق بما سُمي فرمان أو خط “كلخانة” الذي أصدره السلطان عبدالمجيد الأول في العام 1839. ففي ختام فقرات تبريره له قال ما معناه إن الدولة العثمانية، بعد أن وصلت إلى ذروة عزها ورفاهيتها خلال المئة وخمسين سنة الماضية، تبدل أمرها إلى العكس، بسبب عدم الانقياد وعدم الامتثال للشرع الشريف ولا للقوانين المُنيفة، وكذلك بسبب الكوارث المتعاقبة، فأصبحت قوتها ضعفاً وثروتها باتت فقراً!
لم تكن وقتها “حرب القرم” قد اندلعت (أكتوبر 1852) بين السلطنة وروسيا، وتلك حرب استنزفت عافية العثمانيين وكان من نُذرها المشؤومة أن ينحاز الفرنسيون والبريطانيون والطليان إلى السلطنة لدوافع لئيمة، وأن يقاتلوا الروس بجنود من مصر وتونس. فالبريطانيون والفرنسيون يريدون الهيمنة على السلطنة ومقدراتها وولاياتها العربية، والطليان يريدون ضم “مملكة سردينيا” التي يطالب ملكها بالقدس وقبرص، في إطار التنازع على الهيمنة بين ممالك العالم المسيحي.
    للعبة الاقتصاد خطورتها، كما لعبة الحرب. فقد كان لانخراط تركيا الأردوغانية في المشهد السوري، انعكاساته السلبية على وضع تركيا اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، بل وانعكاساته السلبية على ثورة الشعب السوري لنيل حريته
بعد “حرب القرم” كافأ السلطان العثماني عبدالمجيد الأول بريطانيا وفرنسا، بإصدار “الفرمان الهمايوني” أي المكتوب بخط يده “الشريف” لإتاحة الفرصة للدولتين بالدخول إلى قلب الأراضي العثمانية بكل ولاياتها، تحت شعار “الإصلاحات”. بل إن وثيقة صلح باريس بعد “حرب القرم” كانت افتتاحاً لعصر فصل السياسة عن العقائد الدينية، إذ انتقلت صياغات ما يسمى “القانون الدولي” من الحيز الأوروبي أساساً، ومن كونه غير ملزم لأي طرف خارج أوروبا، إلى طور الزحف إلى العالم من البوابة العثمانية، مع حرص الأوروبيين على أمر جوهري بالنسبة لهم، وهو التأكيد على أن ما يسمى “القانون الدولي” قد وُجد لصالحهم، وعلى أن المصالح هي التي تصنع السياسات، ولا تصنعها العقائد الدينية. وفي هذا السياق تكون السياسات مرنة وقابلة للتبدل وفق المصالح!
على امتداد تلك المراحل من التاريخ العثماني أحكمت الدول الأوروبية سيطرتها على اقتصاد العثمانيين ومؤسستهم السياسية والعسكرية، حتى جعلوا السلطنة بمثابة رجل مريض، حان وقت حقنه بجرعة الموت واقتسام ممتلكاته!
في الذروة الاقتصادية لذلك السياق تكاثرت القروض على الدولة العثمانية، ودخل على الخط مرابون يهود أفراد يحميهم “خط كلخانة”، يقرضون السلاطين بفوائد فاحشة، وتراجعت العملة العثمانية بنسبة 300 بالمئة، وفي العام 1876 أعلن الباب العالي إفلاسه، ليتأسس “صندوق الدين العثماني” بعد ثلاث سنوات من المأزق، بإدارة إنكليزية فرنسية، استولت على احتكارات الملح والتبغ والحرير والمشروبات الكحولية والطوابع والمسكوكات، والمرافئ وصناعات التعدين والمناجم، لكي تتصرف تلك الإدارة بهذه المقدرات وتنقلها إلى أي مكان دونما رسوم!
كانت الحروب الخارجية والداخلية وصراعات المحاور تفتح الثغرات في بطن السلطنة، وهذا ما يجري اليوم. فلا يختلف اثنان في أن هناك مأزقا حقيقيا داخليا لحكم الرئيس رجب طيب أردوغان في تركيا، وهناك متربصون كُثر للنظام، وقوى ذات مصالح مضادة لمصالحه، ولدى النظام عداءات في المجتمع بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، ولولا سوء تدبير المعارضة وخيارات تحالفاتها، مع اضطراره إلى التحالف مع حزب قومي علماني، لما استطاع أن يجتاز الانتخابات الأخيرة التي كانت درساً قاسياً للطرف الخاسر سيتعلم منه قطعاً!
إن للعبة الاقتصاد خطورتها، كما لعبة الحرب؛ فقد كان انخراط تركيا الأردوغانية في المشهد السوري، ودفعها قواتها إلى داخل الأراضي السورية انعكاساتهما السلبية على وضع تركيا اقتصادياً واجتماعياً وأمنيا، بل وانعكاساتهما السلبية على انتفاضة الشعب السوري لنيل حريته.
وها هو أردوغان يبدأ في محاولة تصفير مشكلاته مع ألمانيا، بلد الاقتصاد القوي الأقرب إليه، فيعلن عن زيارة مزمعة إلى برلين في الشهر المقبل، بعد عدة سنوات من الجفاء، جعلت الألمان يتعمدون التعمية على برنامج ضيفهم، وما إذا كان سيلتقي المستشارة أنجيلا ميركل أم لا.
لعل الرجل الطامح إلى سلطة تضاهي قامة السلطان، يفتش في خضم أزمة الليرة التركية عن حل مختلف عن ذلك الذي اضطر إليه سلاطين كبار في التاريخ العثماني، وجعل السلطان عبدالحميد الثاني، في أواخر أيامه وعندما كان مسلوب الإرادة، يتأسى على حال بلاده ويقول ما معناه إن التطور الذي سعى إليه العثمانيون كان لا بد أن يستجيب لحاجاتهم الداخلية ومتطلباتهم الاجتماعية، وليس لطموحاتهم الخارجية التي جلبت لهم الخسارة والاضمحلال!
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)