ardanlendeelitkufaruessvtr

العالم الخفي للقتلة الاقتصاديين / الحلقة الثانية

عمر سعد سلمان 
 
جاءت حرب تشرين عام 1973 وما تلته من حظر العرب للنفط، وما أعقبها من أزمة التضخم المالي والركود الاقتصادي خلال الأعوام 1974-1976، فوضع ذلك نهاية لازدهار ما بعد الحرب، وإحدى نتائج ذلك جعل مصارف العالم الأول مكدسة بإيداعات الأموال النفطية التي راكمتها بلدان أوبك. ولو استمر تراكم هذه المليارات في حسابات المصارف-بما يربو على 450 مليار دولار امريكي من العام 1973 الى العام 1981 لنجم عن ذلك استنزاف السيولة النقدية وزيادة آثار الانحسار الاقتصادي بفعل ارتفاع أسعار النفط ارتفاعاً كبيراً. فما العمل؟ ان النظام المالي العالمي يواجه أسوأ ازمه له منذ انهيار الثلاثينات من القرن العشرين الميلادي. وكان الحل عبارة عن إعادة تدوير دولارات النفط واعطائها كقروض للعالم المتنامي. فقد اقترضت البرازيل مثلاً، 100 مليار دولار لقائمة كاملة من المشاريع مثل مصانع الفولاذ، والسدود العملاقة والطرقات، وخطوط السكك الحديدية، ومعامل الطاقة النووية. 
لكن الازدهار في اقراض العالم الثالث الذي رواه س.س.غويني في فصل (بيع المال، والتبعية) ، انقلب الى خيبة امل في آب 1982، عندما بدأت المكسيك، ثم غيرها من دول العالم الثالث، بالتصريح بأنها لن تستطيع أن تدفع استحقاقات دينها في موعدها. وما تبع ذلك، كان عبارة عن سلسلة من التقصيرات المموهة، ومعاودات الجدولة، وبسط القروض، وعقد قروض جديدة، وخطط الاستدانة والبرامج، وكلها أمور يعلن عنها أنها تهدف الى مساعدة البلدان المدينة على معاودة النهوض. لكن نتائج هذه البرامج جاءت على عكس ما يعلن عن مراميها: فقد زادت ديون العالم الثالث من 130 مليار دولار في عام 1973 الى 612 مليار دولار عام 1982 والى 3.2 تريليونات عام 2006، كما شرح ذلك جايمس س.هنري، في فصل (سراب اسعاف الدين). 
وثمة نتيجة أخرى نجمت عن ازمة السبعينات، هي تكذيب الارثوذكسية الاقتصادية المسيطرة – أي الانماء الاقتصادي الكينزي، الذي تتبعه الحكومات، ومعاودة الاعتصام بترك الأمور على غاربها الى حد ما، بوحي من عمل الشركات (وهو برنامج يسمى غالباً الليبرالية الجديدة خارج أمريكا الشمالية). ومن حاملي لوائه الأساسيين، رونالد ريغان في الولايات المتحدة الأمريكية، ومارغريت ثاتشر في بريطانيا. وكان فرض نموذج الليبرالية الجديدة موضوعاً في يد صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وهناك عشرات البلدان التي تخضع حالياً لصندوق النقد الدولي هذا وبرامجه التكييفية. وبسبب من هذه الوصاية، لا تكمل معاملات هذا الصندوق ومعاملات البنك الدولي، سوى بلدان قليلة تعود بعدها الى سابق عهدها من الصحة والاستقلال. 
ان بلدان العالم الثالث عالقة في شبكة سيطرة مالياً وسياسياً وعسكرياً، بحيث يصعب عليها كثيراً ان تهرب وتتحرر من هذا النظام. انه نظام يصبح بأستمرار أكثر توسعاً وانتشاراً وتعقيداً. ان الرأسمال يتدفق الى البلدان المتخلفة عن طريق القروض وغيرها من اشكال التمويل، لكن بثمن يعطى للعالم الأول بحكوماته ومؤسساته وشركاته وهو السيطرة على اقتصادات العالم الثالث. فصندوق النقد الدولي والبنك الدولي يصران على عدة أمور كثمن تدفعه بلدان العالم الثالث للحصول على ما تطلبه من هاتين المؤسستين، ضمن برنامج التكييف البنيوي. فعلى البلدان المتنامية المدينة أن تتخلى عن سياسات الانماء التي تعتمدها الدولة، بما فيها : الرسوم الجمركية، والمعونات التصديرية، وضبط النقد، وبرامج استبدال المستوردات. فنموذجها الإنمائي المعتمد يركز بدلاً من ذلك، على النمو الاقتصادي التصديري، والحصول على قروض لتنمية صناعات جديدة تصديرية، مثلاً: جذب الصناعة الخفيفة الى مناطق المعالجة والتصدير (وقد استفادت من هذه السياسات عدة شركات)، مع العلم بأن العضوية في منظمة التجارة العالمية تتطلب ايضاً التقيد بموجبات التجارة الحرة بحسب مقتضيات صندوق النقد الدولي.
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الخميس, 23 آب/أغسطس 2018 20:24
عمر سعد سلمان

كاتب عراقي