ardanlendeelitkufaruessvtr

أين الله يا أمي

بقلم رابعة الختام آب/أغسطس 27, 2018 98

أين الله يا أمي
ما نراه أسئلة فلسفية أو محرجة هو في حقيقته أسئلة عادية تراود الطفل، وعلى الوالدين استثمارها كفرصة عظيمة لتبصيره ببعض الحقائق بما يناسب عمره، وعدم تهميش عقله أو ذاته أو التقليل منه.
أسئلة الأطفال تحتاج إلى إجابات شافية وردود قوية
أين الله يا أمي، لماذا لا أراه في صلاتي، تقولين لي إن الله تعالى ينظر إلي في الصلاة ويقتسم معي قراءة سورة الفاتحة، وكما علمتني أغطي جسدي من رأسي حتى أخمص قدميّ وأصلي كي أرى الله ولم أجده؟
وتقولين إنه قريب منا، سميع الدعاء، يطلع على أدق تفاصيلنا، فكيف له أن يرانا ولا نراه؟ لدي الكثير الكثير من الكلمات والأدعية التي أريده أن يستجيب لها، أتحدث معه بما في قلبي، أقول له إنني أحب أبي الذي يسكن إلى جواره وأريد رؤيته، منذ أن رحل وعيناي تتوقان إلى النظر إليه، يتشوق حضني لحضن أبي، يدق قلبي عازفا اسمه.
فماذا أفعل حتى أراه؟ أتساءل عن الله سبحانه وتعالى، قطعا، ما إن نطقت بهذه الكلمات في طفولتي الأولى حتى ثارت أمي ثورة عارمة، وأطفأت نار موقدها وتركت طهي الطعام، لتشعل نار فكري، وتطهو جسدي الغض بيديها الكبيرتين، رأيتهما يومها أضخم من حجمهما الطبيعي بكثير، تغلظ صوت أمي الرقيق، وبرزت عروقها، جحظت عيناها الواسعتان الكحيلتان الجميلتان، فأخافتني. لم تقدم أمي إجابة واحدة شافية، كافية، كاشفة على سيل أسئلتي، بل اكتفت بمقولة: الله في السماء، سألتها كيف أذهب إليه، تعوذت وحوقلت، وقرأت في وجهي كل ما تحفظ من قصار السور، خوفا من المثل الشعبي الراسخ في أذهان البعض “خذوا فألكم من صغاركم” خشية أن تكون براءتي تخبرها عن موعد رحيلي القريب.
موهت أمي الكلام، وظنت أنها ألهت عقلي الصغير عن الخوض في تفاصيل تراها بسيطة يمكن التغافل عنها والعيش دون الاقتراب منها، وأراها أنا أسئلة مصيرية، تحكم علاقتي بربي، تضعني في هيكل ما في عبادة الواحد الأحد، تبعدني عن التلصص على مساقي محرمة لأستقي منها معلوماتي، وتعصمني من المضي في طريق التساؤلات الكثيرة التي تطرحني في طرق بعيدة قد كان من الممكن أن أضل معها طريقي.
لا يجب تجاهل أسئلة الأطفال أو الكذب عليهم بدافع حمايتهم من الدخول في مناقشات جدلية وتطبيقات فكرية تفوق أعمارهم. مرت السنوات، وتركت أمي جميع الأبواب مفتوحة أمامي للحصول على أجوبة، ولو كانت أغلقت النوافذ الخلفية، ما تسلل يوما ما إلي فكر منغلق تتبعني فترة وحاول الإمساك بي، وتبعته أشهرا في بداية الدراسة الثانوية حين كانت ترافقني في دروس المدرسة فتاة مهذبة محجبة، تخفي خلف حجابها فكرا غريبا، علمت بعد سنوات طويلة أنها ابنة لأحد قيادات الإخوان المسلمين.
ملأت الفتاة وأسرتها عقلي ببعض الأفكار العجيبة، يطول شرحها، ولا يحتملها ضيق الوقت والمساحة، قبل أن أنسلخ عنها قبيل جذبي بقوة.
وفي دراستي الجامعية قابلت نماذج عديدة تشبه تلك الفتاة، خاصة وأن كليتي من كليات الفكر والسياسة، ولكن بعض وسطية زرعها أبي داخلنا، وقراءات تنويرية، وروايات عالمية وعربية عادت بي سريعا من هذا المنعطف الناعم، الزلق، وعصمتني من السقوط في بئرها.
وكالناجي من نار مشتعلة وجدت قدميّ تنغرسان في الثلج بحثا عن أدوات لتبريد عقلي المشتعل، فكانت فترة وجيزة في أحضان فكر تحرري لا يشبهني ولا أشبهه، ولست الوحيدة في هذا التخبط، ولا أعد استثناء، بل هي القاعدة مع الكثير من الشباب والمراهقين الباحثين عن تفكيك سهل وآمن للقوالب الفكرية والمجتمعية الجامدة، والخروج عن نمطية عباءة الأهل والفكر السلطوي الأبوي.
بعض الأسئلة لا تستوجب الضرب والعقاب البدني حتى يتغافل عنها الصغار، أو محاولة إلهائهم بعبثية تنال من تشكيل شخصياتهم، بل تحتاج إلى إجابات شافية وردود قوية تغلق باب الجدل المحموم في رؤوس صغيرة قد تتلقفها جماعات الفكر القاسي، المتصلب، وتستوي عندي قسوة الفكر وصلابته في اليمينية المتطرفة، أو الانحراف والتحلل من كل القيم والمبادئ وإنكار العرف المجتمعي والذائقة الجمعية في المقبول والمرفوض والمستساغ.
ما نراه أسئلة فلسفية أو محرجة هو في حقيقته أسئلة عادية تراود الطفل، وعلى الوالدين استثمارها كفرصة عظيمة لتبصيره ببعض الحقائق بما يناسب عمره، وعدم تهميش عقله أو ذاته أو التقليل منه. وتجنب الإجابات الخرافية أو ازدواج المعايير التربوية وتبرير تصرفات الآباء بكونهم كبارا فحسب، دون تقديم إجابة محددة، كما هو شائع في الرد على سؤال: لماذا لا أدخن طالما يدخن أبي؟
كاتبة من مصر

قيم الموضوع
(0 أصوات)