ardanlendeelitkufaruessvtr

إصرار على تهميش القضايا العربية في مصر

بقلم محمد أبوالفضل آب/أغسطس 27, 2018 96

إصرار على تهميش القضايا العربية في مصر
مبررات أن الهم المصري أصبح طاغيا ولا توجد رفاهية للاهتمام بقضايا أخرى خارج الحدود هي مغالطة كبيرة في ظل التداخل الواضح في الصراعات التي تعم المنطقة والروافد التي تصطحبها وامتداداتها بحكم هجرات العرب لمصر.
العلاقة مع دول الخليج، خاصة الإمارات والسعودية والبحرين، تطورت بشكل كبير
لا تزال مفارقة الاهتمام العربي بالشؤون المصرية الداخلية وعدم اهتمام غالبية المصريين بالقضايا العربية مستمرة. جزء من الأسباب له جذور تتعلق بالعقل ونظرته للعالم وفي القلب منه الدول العربية. وهذه جرى البحث فيها طويلا، وثمة إسهامات ثقافية وتفسيرات سياسية ومجتمعية كثيرة لباحثين وكتاب.
الغريب أن مصر استمدت حضورها القوي في بعض الأوقات عبر انخراطها في قضايا عربية عدة، وهو ما انعكس على الاهتمام بتفاصيل ما جرى. كنا عندما نشاهد التلفزيون أو نفتح أي صحيفة نجد الملفات العربية طاغية، وعرف جيلنا عددا من الكتاب العرب من خلال الإعلام المصري، الذي أثّر بعضه في وجدان قطاع كبير من الجماهير العربية.
المسألة تراجعت في السنوات الماضية. وكانت المبررات أن الهم المصري أصبح طاغيا، ولا توجد رفاهية للاهتمام بقضايا أخرى خارج الحدود. هي مغالطة كبيرة في ظل التداخل الواضح في الصراعات التي تعم المنطقة، والروافد التي تصطحبها وامتداداتها، بحكم هجرات المواطنين العرب لمصر والاهتمام الرسمي بالتوترات والحروب التي تدور حولنا.
الحضور المصري في الملفات العربية موجود الآن وبأشكال مختلفة، وربما أكثر من أي وقت مضى خلال العقود الماضية، فالقاهرة تقوم بدور نشط على الساحة الفلسطينية، ومهمومة بالأزمة الليبية ومرتبطة بالأمن القومي، ومعنية بتشابكات الأزمة السورية، وتتابع عن كثب التطورات في اليمن والسودان والعراق ولبنان، وتستقبل وترسل وفودا لهذه البلدان.
كما أن العلاقة مع دول الخليج، خاصة الإمارات والسعودية والبحرين، تطورت بشكل كبير، ووصلت إلى حد التحالف والتفاهم في قضايا حيوية، وجرى تقريب وجهات النظر في الكثير من القضايا ذات الاهتمام المشترك، الأمر الذي عكسته القمم التي تعقد من حين لآخر في كل من القاهرة وأبوظبي والرياض.
كل هذه الروابط وغالبية المصريين لا يتابعون جيدا ما يجري على الساحات العربية، باستثناء ما يصل إليهم من خلال البيانات الرسمية، بشأن الزيارات والمواقف المصرية. تكاد تكون وسائل الإعلام المحلية خالية من الأخبار العربية، مع أن التطورات تسير بوتيرة متسارعة، جراء الأحداث الناجمة عن كثافة الصراعات والتوترات.
حكى لي زميل مسؤول عن باب الشؤون العربية في إحدى الصحف الرسمية، واقعة كاشفة، وتفسر جانبا من الأسباب التي أفضت إلى الفقر المصري في الاهتمام بالقضايا العربية.
زميلنا (لن أذكر اسمه أو صحيفته) تعامل بسخرية مع اجتماع التحرير اليومي في جريدته، فقد سأله رئيس التحرير عما لديه من أحداث في ذلك اليوم، فقال له “لدينا تطورات مهمة على الساحة السورية، وممنوع الاقتراب منها، وهناك صدامات مسلحة جديدة في ليبيا، وغير مسموح بالكتابة عنها، والمعارضة السودانية بدأت تنشط لعدم ترشيح الرئيس عمر البشير، وممنوع تغطيتها، والحرب في اليمن تنذر بمواجهات أشد عنفا، وأيضا غير مصرح بتناولها”.
حسب الرواية التي حكاها زميلنا، ابتسم قليلا رئيس التحرير وتقبل الأمر في هدوء وكأن شيئا لم يكن، وشكره على عرضه الأمين للأحداث، وقدرته على فهم سياسته التحريرية.
المقصود من الإشارة السابقة، أن الكثير من المسؤولين في الإعلام، لا يقتربون من القضايا العربية التي لها علاقة مباشرة بمصر، إلا من خلال البيانات الرسمية التي تأتي إليهم، خوفا من الوقوع في خطأ ربما يكبدهم ثمنا باهظا. فالاجتهاد في الحصول على معلومات ورصد التحليل، يتصور هؤلاء أنه يعرضهم للخطر.
الفكرة أصلا جاءت من رحم أن إدارة معظم القضايا العربية، تديرها جهات أمنية، ولم تعد وزارة الخارجية مسؤولة عنها. فالوساطة المصرية في المصالحة الفلسطينية وتوابعها يديرها جهاز الاستخبارات، وكل اتفاقيات الهدن في سوريا أيضا، وكانت القاهرة وسيطا فيها مع موسكو، خرجت من هذا الجهاز، كذلك الحال بالنسبة للأزمة في كل من ليبيا واليمن والأوضاع في السودان، فضلا عن العلاقة مع إثيوبيا الدولة الأفريقية المهمة لمصر.
بالفعل هناك توجيهات رسمية تصدر من حين لآخر لوسائل الإعلام الرسمية، وربما غير الرسمية، تحدد الخطوط العريضة للموقف المصري في بعض القضايا العربية، وهذا معمول به في الكثير من الدول، وهناك هامش للحركة، وكل صحافي يفسر التوجيه حسب مروحته الثقافية، كلما اتسعت زادت فرص الاجتهاد، والعكس صحيح. ولأن عددا كبيرا من الإعلاميين يؤثرون السلامة ويريدون البقاء في مواقعهم، تم وقف فريضة الاجتهاد تقريبا.
الطريقة الأمنية، يمكن فهم دوافعها السياسية، فكثير من الدول تتعامل مع ما ينشره الإعلام المصري، خاصة الرسمي، على أنه يعبر عن وجهة نظر الحكومة، ووقعت مشكلات كثيرة مع دول مثل السودان والسعودية وعُمان والمغرب، كان جهل البعض من الإعلاميين سببا فيها، ما أدى إلى أزمات أوشكت أن تدفع القاهرة ثمنا سياسيا باهظا لها.
خبرتي الشخصية مع بعض المسؤولين في مصر تؤكد إمكانية التعاون وعدم الممانعة في معرفة الكثير من التطورات، طالما وثقوا في أمانة الصحافي، لكن غالبيتهم يصرون على عدم الإشارة إلى أسمائهم من قريب أو بعيد، فإذا أصاب الصحافي كان الأمر جيدا للمسؤول، وإذا أخطأ الأول لا يتحمل الثاني وزره.
هكذا تبدو معالم العلاقة بين الصحافي وأي مسؤول في مصر، الأمر الذي يجعل فئة كبيرة من الزملاء يصرون على الالتزام بالبيانات الرسمية وكفى، ما جعل الإعلام ينطبق عليه المثل الشعبي “الطبيخ البايت”، أي أنه أصبح مثل الأكل فاقد الصلاحية.
في تقديري هناك مبالغة في مسألة السيطرة الأمنية على الإعلام، ويلجأ إليها البعض لتبرير تصرفاتهم العقيمة. فعندما كنت مسؤولا عن صفحات الرأي في جريدة الأهرام، لفت نظري رئيس التحرير إلى عدم نشر مقالات ضد حركة حماس في وقت كانت تجري مفاوضات في القاهرة ومطلوب استمالتها، حرصا على عدم تعكير الأجواء، وقد يُفهم النقد على أنه رسالة سلبية مستترة.
المهم أن أحد الكتاب سطّر مقالا وجّه فيه نقدا لاذعا لحماس، فرأيت من الموضوعية نشره، لأنه كان منطقيا في طرحه، وعندما رآه رئيس التحرير على صفحات الجريدة اتهمني بعدم الالتزام بالتعليمات الأمنية، حاولت تبسيط الموقف وعدم تضخيمه، لكن فشلت.
الكاتب السابق قام بكتابة مقال آخر عن حماس أيضا، فتحفظت وأبلغته برسالة رئيس التحرير الصارمة، فضحك وقال “أنا أيضا كتبت ضد حماس بناء على تعليمات أمنية”.
بصرف النظر عن مدى دقة كلام كل من رئيس التحرير والكاتب، تؤكد خبرتي الطويلة أن فكرة التعليمات الأمنية المباشرة مطاطة، يستغلها البعض كنوع من الحصانة أو تبرير تصرفاته المهنية العرجاء.
طوال مدة عملي كمشرف على صفحات الرأي لأكثر من خمسة أعوام، لم أتلق توجيها أمنيا واحدا، مباشرا أو غير مباشر، وهي إشارة كنت أعتبرها إيجابية وأنني على صواب عندما وافقت على نشر مقالات نقدية في مرات كثيرة.
الغرض من سرد بعض القصص أننا (الصحافيون) نصنع أوهاما ونسعى لتضخيمها، عن عمد أو جهل، بينما لا يزال حق الاجتهاد مكفولا في قضايا كثيرة، بينها تناول ملفات عربية ساخنة. فقط مطلوب أن يكون الصحافي ملما بالقضية التي يتحدث عنها ويعرف أبعادها جيدا، ويلتزم بخط الجريدة المهني، طالما ارتضى الكتابة فيها.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)