ardanlendeelitkufaruessvtr

قراءة في العولمة الرأسمالية الحلقة الأولى

عمر سعد سلمان 
 
على مدى عقود من الزمن بشر منظرو الرأسمالية بسياسات الليبرالية الجديدة والسوق المفتوح، مع سيل من الوعود بالتنمية والرخاء والازدهار، إذ ازيلت المعوقات من أمام قوى السوق، وبادر كل من الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر الى إطلاق قوى السوق في ثمانينيات القرن الماضي، ومع انهيار رأسمالية الدولة أطلقت ابواق السوق صيحات الانتصار معلنة ان الصراع قد انتهى وأنه لا بديل عن الرأسمالية وفي طبيعتها الجديدة (العولمة) وتحت شعار العالم قرية صغيرة. جرى تعميم السياسات الاقتصادية الجديدة، فتح الأسواق امام حركة السلع ورؤوس الأموال وتقديم كافة أنواع الدعم والتسهيلات للاستثمارات، الغاء الدعم على السلع الاستهلاكية والأساسية وإلغاء الضمانات الاجتماعية وتحرير سوق العمل، استئصال او محاصرة الأنظمة التي تعوق هذه السياسات. 
تحول العالم فعلاً الى قرية ولكن (قرية بضائع) وضربت هذه السياسات بقوة ارجاء العالم خلال العقدين الأخيرين وحققت الرأسمالية بالفعل نمواً هائلاً في الأرباح وتراكمت ثروات طائلة، ولكن الثمن كان فادحاً ومن دفعه هم الفقراء بالطبع. 
فمع ازياد الثروات ازدادت صفوف العاطلين عبر العالم، ومع تراكم الأرباح تراكم البؤس والجوع، المليارات جناها بضع مئات من الأغنياء في العالم والجوع هو نصيب مئات الملايين، والديمقراطية التي وعدت بها العولمة كجائزة للشعوب الرازحة تحت نير القمع والاستبداد لم تكن سوى اكذوبة كبرى. فالحرية كانت ايضاً من نصيب الأغنياء وحدهم وكان نصيب الفقراء هو الملاحقة والاضطهاد والقمع. وبعد نهاية الحرب الباردة كان (المشاركة من أجل السلام) هو الشعار الذي رفعته الدول الكبرى، وادعى قادة العولمة أن توحيد السوق العالمي وازالة الحواجز سيكون الضمان الأكبر ضد نشوب الحروب بين دول مترابطة اقتصادياً. ما حدث انه في سنوات قليلة عادت العولمة الرأسمالية بالعالم أكثر من نصف قرن من الزمان الى الاستعمار العسكري كما أفغانستان، وفتحت حاملات الطائرات الطريق امام حاملات النفط وأصبح كل مكان في العالم في مدى الصواريخ الاستعمارية. وارتفعت أسهم شركات السلاح والنفط مع تحليق طائرات الـ بي 52. 
الاستغلال والافقار، الاستبداد والقمع، الحروب والاستعمار، اختصرت الرأسمالية كل ذلك في كلمة واحدة (العولمة) هذا هو ما تحقق في سنوات قليلة وهذا هو الثمن الذي دفعته البشرية لتتراكم ثروات خرافية لم يشهدها العالم من قبل. 
وهكذا أصبح العالم (قرية للبضائع الرأسمالية) ولكنه أيضاً أصبح ساحة واسعة للنضال ضد كل ما خلقته العولمة الرأسمالية، فحين تحل سياسات السوق والليبرالية الجديدة يستقبلها نضال الجماهير مثلما انتفض الفلاحون في المكسيك ضد الافقار عام 1994 وكما انتفض الفلاحون في مصر عام 1997 ضد قانون نزع الأراضي المستأجرة واضراب العمال العام في فرنسا سنة 1995. هجوم شرس من قبل الرأسمالية العالمية ومقاومة مستميتة من قبل الفقراء، دول تسقط تحت الاستعمار، وأنظمة تسقط تحت ضربات الحركة الجماهيرية والاضطرابات كبوليفيا. الرأسمالية تحول العالم الى ساحة للتجارة والجماهير تحوله الى ساحة للنضال.
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
عمر سعد سلمان

كاتب عراقي