ardanlendeelitkufaruessvtr

قراءة في العولمة الرأسمالية الحلقة الثالثة

عمر سعد سلمان
 
المثير للدهشة ان هذه الفوضى الاقتصادية الشاملة بسبب العولمة الرأسمالية تقف ورائها سياسة منظمة وواعية، فلقد غذت الرأسمالية طوال عمرها اللامساوة وفوضى السوق، وسياسات العولمة الرأسمالية لم تحد عن هذا المنهج، بل اندفعت فيه بأقصى سرعة، وقد عبر رجال الاقتصاد الرأسماليين وكبار السياسيين بوضوح ودون مواربة عن هذا الاتجاه (ان دولة الرفاه أصبحت تهديداً للمستقبل، وان شيئاً من اللامساواة قد اضحى امراً لا مناص منه). (ان التحول قد أضحى امراً لا مفر منه)، (ان على كل فرد يتحمل قسط من التضحية). (لقد تحولت ريح المنافسة الى زوبعة وصار الاعصار الحقيقي يقف على الأبواب). (ان 20% من السكان العاملين سيكفون القرن القادم للحفاظ على الاقتصاد الدولي والـ 80% الباقون سيفيضون عن الحاجة). 
كانت السياسات المتحققة على الأرض تؤكد ان النتائج ستكون أكثر فداحة، وكان مضمون هذه السياسات هو الدعم المطلق للرأسمالية على حساب الطبقات الفقيرة، هذا ما أطلق عليه الليبرالية الجديدة، والتي وعد منظروها بأنها ستحقق الازدهار عبر آليات السوق والعرض والطلب، ما لم تتدخل الدول لأعاقه رؤوس الأموال وتقيدها بواجبات اجتماعية ولقد قاد هذه السياسات في العالم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية  والتكتلات والتجمعات الاقتصادية، وفرضت شروطاً صارمة على الدول المتعاملة معها، لمنح القروض وعقد الاتفاقيات. كان من أهم هذه الشروط الحرية الكاملة لحركة رؤوس الأموال في الدخول والخروج بين الدول، وخفض الانفاق العام والدعم الموجه للطبقات الفقيرة، وانسحاب الدول من عملية الإنتاج والتوزيع بخصخصة المشروعات المملوكة للدولة، والاعتماد على القطاع الخاص في مشروعات التنمية، ورفع الحماية عن العمال، وترك سوق العمل للعرض والطلب دون تدخل الدولة، وخفض الضرائب على الاستثمارات، وإزالة الحواجز الجمركية وترك المنافسة الحرة تقوم بدورها في التجارة، ووقف دعم العملة المحلية وتحرير سعر الصرف، وتشجيع اقراض القطاع الخاص وتوفير المناخ الملائم للاستثمارات. 
هذه الشروط كان معناها فتح كافة الأبواب امام الرأسمالية لجني أرباح طائلة، دون ان تحل أي أعباء او مخاطر، ويكفي على سبيل المثال انه في عملية مضاربة واحدة على العملة في عام 1992 استطاعت مؤسسة كوانتم المالية أن تحقق ربحاً قدره مليار دولار في لمح البصر، وكانت من نتائج هذه العملية فقدان الجنيه الإسترليني 9% من قيمته، وكانت النتائج في العالم الثالث أكثر كارثة، فدول شرق أسيا ضربها الركود وانهار الاقتصاد الاندونيسي بعد أن فقدت العملة المحلية 77% من قيمتها. 
وإزاء تلك الفوضى والأزمات الناتجة عن الحرية المطلقة لحركة رؤوس الأموال وتعاملاتها لم يكن الحل من وجهة نظر الليبرالية الجديدة وضع أي قيود على حركة الأموال او المضاربات، بل على العكس كان الحل هو إعطاء المزيد من المزايا والارباح لرؤوس الأموال لأقناعها بالمكوث. فتسابقت الحكومات في جذب رؤوس الأموال عبر خفض الضرائب، وخفض تكلفة العمل وتعظيم الأرباح الرأسمالية. وفوق ذلك كان الدعم النقدي المباشر المقدم للمستثمرين يفوق حد السفه، فلقد استطاعت شركة سامسونج الكورية ان تحصل على 100 مليون دولار من وزارة الخزانة البريطانية لكي تستثمر مليار دولار، ودفعت فرنسا الى شركة مرسيديس تبرعات من اجل انشاء مصنع لإنتاج السيارات تساوي ربع المبالغ المستثمرة في المشروع. اما في الولايات المتحدة فقد دفعت نفس الشركة 55% فقط من حجم الاستثمارات، وحصلت على الباقي كأعانة، يحدث هذا في الوقت الذي تخفض فيه هذه الدول الرعاية الصحية.
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
عمر سعد سلمان

كاتب عراقي