ardanlendeelitkufaruessvtr

أين ضاع التسامح في حياة القرية المصرية

بقلم د. حاتم الجوهري آب/أغسطس 30, 2018 71

أين ضاع التسامح في حياة القرية المصرية
تجربة ربط الممارسة السياسية بالدين، أو الحكم السياسي باسم السماء في الحالة العربية والإسلامية، قد وصلت إلى ذروتها بوصول الإخوان للحكم في مصر.
أقباط مصر هدف الجماعات التكفيرية
شهدت الفترة الأخيرة عودة لعدة مظاهر تحسب على التيار الذي يسمي نفسه بـ”السلفية” في مصر، ففي فترة العيد شهدت إحدى قرى الصعيد بمحافظة المنيا واقعة جديدة لمنع المسيحيين من ممارسة شعائرهم الدينية وأداء صلاتهم بالقرية.
كما شهدت البلاد عودة عدة ظواهر كانت تراجعت تماما بعد ثورة يناير، متمثلة في عودة دعاة شرائط الكاسيت بخطبهم القديمة في عربات المواصلات العامة والخاصة، ومواضيعهم التقليدية التي تلتصق بالجانب الشكلي أو الطقسي من الدين دون جانبه القيمي أو الأخلاقي أو الحضاري.
وفي واقع الأمر هذه ظاهرة ملفتة لحد بعيد، فالأفكار التي تنتجها أو تقبلها المستويات الشعبية  للمجتمع تعبر عن مستقبله من جهة، وتعبر في الوقت نفسه عن نسبة من قبول أو موافقة أو توظيف البنى الفوقية في ذات المجتمع لهذه الأفكار.
إذا عدنا قليلا للوراء فسنجد أن تجربة ربط الممارسة السياسية بالدين، أو الحكم السياسي باسم السماء في الحالة العربية والإسلامية، قد وصلت إلى ذروتها بوصول الإخوان للحكم في مصر، عبر مسار من التفاهمات مع البنى العميقة للدولة المصرية، وكانت التجربة من العجز والحماقة بحيث أنها كانت مؤهلة لتصبح لحظة مفصلية في الحالة العربية، لخروج تيارات فكرية دينية جديدة تتجاوز وتفكك هالة فرق الدين السياسي في الإسلام، كما كان عصر النهضة لحظة مفصلية في الحالة الأوروبية، مع الاختلاف في ظروف ومخرجات كل حالة بالطبع.
ولكن مسار خروج الإخوان من الحكم وتفكيك وجودهم السياسي، لم يكن طبيعيا ولم يسمح للتجربة بأن تطور نفسها بنفسها، ربما لأن البنى الفوقية في الحالة العربية ما تزال ترى وظيفة ومبررا من وراء استمرار تلك الحالة (كما كانت العلاقة بين الملك والكنيسة في الحالة الأوروبية)، فالمتابع عن قرب للإخوان ومعظم التيارات التي على يمينهم ويسارهم من فرق الدين السياسي كالسلفيين والجهاديين، كان يدرك حالة اليأس والرغبة التي فرضها الواقع في البحث عن منافذ جديدة وتمثلات سياسية وفكرية جديدة، خاصة على مستوى القطاعات الشبابية والتنظيمية لهم، في ظل احتكاكهم الطويل بكل التيارات السياسية والخبرات المتراكمة بالتجربة والممارسة.
لكن المشاهد الآن مقلقة، فعجز المجتمع عن توليد حلول جديدة ومسارات جديدة للتنمية والوعي والثقافة، وارتكان بناه الفوقية لحالة خلق التناقضات والتأكيد عليها، سيعيد إنتاج المسارات والتيارات القديمة نفسها، وكأننا ندور في حلقة مفرغة أو كأننا كلما هُيئت لنا لحظة مفصلية قادرة على الإنتاج والتغيير، خرج لها أو أُخْرِج لها من أصحاب الطوائف والملل والأيديولوجيات مشعوذ دجّال، يقول إن هذه ليست اللحظة المقدرة وإننا علينا أن ننتظر المداخل المقدسة كما وردت في أيديولوجيته المنزلة، وتلك أزمة ثقافية أخرى من أزمات الحالة العربية ومحاولتها التمثل الثقافي بنماذج أخرى.
المثال هنا أن عجز سائق الحافلة/ العربة عن ممارسة الضبط السلوكي والأخلاقي في مجتمعه الشعبي/التحتي، سيجعله يختار فكرة كلية كبرى تعبر عن هذا العجز، متمثلة في المدرسة السلفية التي تقوم فكرتها على التركيز على المظهر والملبس والطقوس، والسكوت عن الأخلاق والقيم والسلوكيات، هنا المجتمع يصنع مقصلته بنفسه.
القرية التي في صعيد مصر، لماذا عجزت عن التسامح وقبول حق المسيحيين في ممارسة شعائرهم بالحرية التامة اللذين يقرهما الأصل الإسلامي؟ لماذا اختارت التشدد والارتكان لأفكار وتأويلات تحث على القطيعة والنفي للآخر والتعالي عليه؟ هل لأنها عجزت عن التحقق كجماعة قومية ذات هوية جامعة في محيطها، هل يغيب دور مؤسسات الدولة الثقافية والعلمية والدينية هناك، ولم تنجح أي منهم في تقديم خطاب جامع لأهل القرية؟ بما يستوجب مساءلة وزير الثقافة ووزيري التعليم العالي والإعلام وكذلك الأزهر والأوقاف.
 لماذا نخلق البيئة الحاضنة للقهر والعجز والتشوه الإنساني؟ من يقف وراء غياب خطاب ثقافي وحضاري يعبر عن حلم الديار المصرية بالنهضة والأمل، قبل أن نسأل أهل القرية في الصعيد وسائق الحافلة العامة في القاهرة عن الدافع وراء عودة المظاهر القديمة.
إن من يخلق التناقضات يريد أن يؤكد على أسطورة الدولة حارسة التناقضات ودورها، الطبيعة التاريخية والجغرافية للشعب المصري تقول بطيبته وسماحته الفطرية، وعندما يحدث العكس هنا عليك أن تفتش عن المستفيد. يجب عودة دور الدولة المصرية الفاعل واستبعاد أصحاب المصلحة على كافة المستويات، ويجب عودة الهوية المصرية المجمّعة من خلال الإعلام والتعليم والثقافة والدراما، ويجب أن تعود الفرق الشعبية تجوب النجوع والقرى وتقيم مراكز وبيوتا للثقافة، وتعود لدورها وتضخ الأموال لذلك.
كل توجه نحو أفكار التشدد، هو رد فعل لغياب البديل، وانسحاب السياسة الثقافية للدولة من المشهد، وعجز عن تقديم مزيج ثقافي فاعل وقادر على الاحتواء.
نحن نفتقد في كل مدينة لما يشبه المجلس الثقافي الذي يجمع كل عناصره الفاعلة، ويطور خطابا تفاعليا يعبر عن مجمل طموحه ومشاكله في آن واحد.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)