ardanlendeelitkufaruessvtr

أطفئ قنديل عقلك

بقلم إبراهيم الجبين آب/أغسطس 31, 2018 81

أطفئ قنديل عقلك
ليت إنساننا في الشرق يتعلم من هذا الكائن الصغير الذي يبلغ طوله 4.5 ملليمتر كيف يجدد شبابه وشباب حضارته بعد كل ما تعرض ويتعرض له من خوف ومن جوع ومن خطر.
الهشاشة والرقة ليستا دوما معيارا للقوة
قالوا له “أطفئ قنديل عقلك. وآمِن وأنت مغمض العينين”. فتدرّب على نقل هذه المهارة للشعوب التي تسلط عليها في أصقاع الأرض.
وقد غيّر نشوء المدن في أوروبا، في العصور الوسطى إدراك الإنسان الأوروبي للوجود، ولذاته بالدرجة الأولى، فبعد أن كان راضيا قانعا بتبعية مهينة لكل سلطة، أصبح يطالب بحقوقه كإنسان وربما بالغ كثيرا في أخذها وفوقها ثلثا الباطل من بقية شعوب الأرض.
كان سعيدا جدا بهذا الاكتشاف؛ “المدينة”. حتى أنه أطلق مثلا انتشر بين الناس يقول “كل من يتنفس هواء المدينة يصبح حرا”. وكان هذا قريبا جدا منا، قبل عدة قرون فقط.
بالطبع لم ينظر الأوروبي إلى أن هناك شعوبا وحضارات سبقته بآلاف السنين باكتشاف “المدينة”. وسبقته بالآلاف ذاتها من السنين لفهم معنى “الحرية” من جلجامش إلى فيليب العربي وحتى عنتر بن شداد. وحين سمع بهذا، سارع إلى هدم مدن الآخرين.
وفي طريقه بين الاكتشاف والهدم، كان يتوالد لديه منتج معرفي تراكمي يتمثل في سجلات الأدب والفكر والعلوم والفلسفة، وغالبية ذلك السجل مجرد تجارب ذهنية لم تصل إلى حقائق نهائية، لكن إحساس التفوق جعل منها إنتاجات ذات سلطة هائلة على الشعوب المستضعفة، حتى لو قال عجوز أطرش في أوروبا إن السمك الأزرق يتكلم باللاتينية، لتعجب سكان جنوب الكوكب من عظمة اكتشافات الأوروبيين.
المدينة التي ابتكرها الأوروبيون مدينة نمت خلف سور حجري هائل، لكن مدننا كانت بلا أسوار. مفتوحة للآتين من كل حدب وصوب، تمكنت من أهلها الحضارة حتى لينت عزيمتهم وأفقدتهم إيمانهم بالعنف، فسهل على القادمين من البعيد سحقهم.
لكن الهشاشة والرقة ليستا دوما معيارا للقوة. إذ تنتشر هذه الأيام على وكالات الأنباء أخبار عن قنديل آخر غير قنديل العقل الأوروبي والعربي المطفأ، إنه قنديل البحر الذي أفصح للعلماء مؤخرا عن أسراره المدهشة. فهذا الكائن الرقيق المسمى “توريتوبسيس″ والذي سجلته البشرية عام 1883 على يد العالم أوغست وايزمان في سواحل بنما وإسبانيا وفلوريدا، يمكنه بسهولة حين يواجه الخوف أو الجوع أو الخطر أن يعكس دورة حياته ويعود من الصفر، إلى الطفولة الأولى ليبدأ عمره من جديد، مبشرا الإنسان بإمكانية مماثلة.
ويقوم قنديل البحر الخالد هذا، كما يسمى، بتحويل خلاياه إلى خلايا أصغر سنا. حيث يلتصق بسطح ثابت وقوي متحولا إلى فقاعة. ثم يستمر في عملياته البيولوجية، ليتحول إلى مستعمرة من الأورام الحميدة. ليعود وينمو من جديد، وكأن شيئاً لم يكن.
ليت إنساننا في الشرق يتعلم من هذا الكائن الصغير الذي يبلغ طوله 4.5 ملليمتر كيف يجدد شبابه وشباب حضارته بعد كل ما تعرض ويتعرض له من خوف ومن جوع ومن خطر.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)