ardanlendeelitkufaruessvtr

إذا كنت تبحث عن "الزومبي" ها هم أمامك

بقلم محمد ناصر المولهي آب/أغسطس 31, 2018 92

إذا كنت تبحث عن "الزومبي" ها هم أمامك
مثقفونا ومبدعونا ينعتون كل من يقف ضد الإعدام والتعذيب بالشاعرية، متناسين أن الشاعرية هي من مادة مطرقة نيتشه التي هشمت الأصنام وفتحت آفاق الفلسفة.
لماذا تضاعفت حالات الاغتصاب الشنيعة اليوم؟
مراهقون يختطفون فتاة قاصرا في المغرب، يتداولون على اغتصابها، ويغطون جسدها بالحروق والوشوم. مجموعة من المارقين يغتصبون فتاة ويعنفونها ويقتلون جدتها التي حاولت الدفاع عنها في تونس. طيب أظن أكتفي بمثالين، فإن ذهبنا أكثر في تعداد الجرائم البشعة من اغتصاب وقتل وتنكيل في البلدان العربية، فإن دما مؤلما سيتدفق عاليا دون توقف.
الجريمة ليست حكرا على العرب، بل هي ظاهرة كونية تقاومها كل الدول بما تراه كفيلا للحد منها، هناك من تختار الردع والقوة والإعدام، وهناك دول أخرى تعي أن الجريمة لها جذور أبعد من لحظة تنفيذها، جذور اقتصادية وثقافية وتعليمية ونفسية وسياسية وحتى جسدية وغيرها، لذا تكرس لمقاومتها منهجا مدروسا شاملا وطويل المدى.
ما يثير الريبة وما أردت تسليط ضوء سريع عليه، هو موقف المثقفين والمتعلمين العرب مما يحصل من جرائم، تتحول إلى قضايا عامة، وتتداولها مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام حتى تنطلق بها أبواق الإفتاء.
في الجريمة الأخيرة التي حصلت في تونس اجتمع حشد من “المثقفين” والكتاب والمبدعين في رأي مفاده المطالبة بإعدام الجناة. لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، هناك من الكتاب من اقترح طرقا بديعة في تعذيب الجناة وقتلهم، هناك من طالب بإحراقهم أحياء، آخرون طالبوا بأكل لحومهم، أو سلقهم في ماء يغلي، أو تجويع وحوش وإطلاقها لتأكلهم وهم ينظرون. وهناك آخرون كانوا أكثر تعقّلا وطالبوا بإخصاء هؤلاء المغتصبين القتلة، ثم لا بأس بقطع أطرافهم.
الغريب في الأمر أن هذه السيناريوهات الفنية في القتل والتنكيل، يأتي أغلبها من متعلمين ومثقفين وكتاب وأدباء ومبدعين وفنانين، إذن دعونا لا نستغرب مما أتته “داعش” من جرائم تفننت في كشط اللحم الحي عن العظام، ففي الأخير “مثقفونا” أكثر قدرة على الخيال القاتل.
طبعا لا جدل حول بشاعة الجرائم وضرورة محاسبة المجرمين، ولا جدل في التعاطف مع الضحايا قبل التعاطف مع القتلة، لكن أن يقدم من نعتبرهم طلائع المجتمع نحو التنوير، آراء انفعالية وركيكة تحت مبدأ أن “تعض الكلب الذي عضّك”، فهذا أمر غاية في الإحباط.
هناك من هم مع حكم الإعدام وآخرون ضده، عموما لا أعلم كيف يكون هناك مبدع مع تطبيق حكم الإعدام، الذي لا يعتبر ردعا، بقدر ما هو مواجهة جريمة بجريمة، وهذا لا يؤتي أكله مطلقا على عكس ما ادعاه الأميركي إسحاق إيرلك بأن الإعدام يخفض من نسق الجريمة، وهذا تثبته الأرقام، كما تثبته تجارب بعض الولايات الأميركية التي تخلصت من حكم الإعدام، كما تثبته دول مثل كولومبيا التي واجهت الجريمة بسبل أخرى.
إذن على العاقلين أن يفككوا أسباب الجريمة قبل أن يتكلموا، أن يتساءلوا مثلا لماذا تضاعفت حالات الاغتصاب الشنيعة اليوم؟ وهل هي تضاعفت فعلا أو أن انتشار الإعلام في كل ركن مجهول من العالم ساهم في ظهور ما كان مخفيا؟ ألم تكن هناك جرائم بشعة آتاها مثلا الهلاليون في تونس، أو الإسلاميون في الجزائر، والعثمانيون في البلدان العربية؟ وكثيرة هي الأسئلة.
على العاقلين تفكيك الجرائم التي تحصل اليوم، بدل أن يشتموا حقوق الإنسان وكل الواقفين خلفها، فمثلا ما يتعلق بالاغتصاب والجرائم الجنسية، أليس معطى متشعبا بين علم النفس والدين وسلطة العادات وتأخر سن الزواج واليأس والكبت الجنسي والفكري والجسدي الذي يتولد من منظومة كاملة تكبت حتى الحلم بنوم هادئ، وغيرها من الأسباب.
مثقفونا ومبدعونا ينعتون كل من يقف ضد الإعدام والتعذيب بالشاعرية، متناسين أن الشاعرية هي من مادة مطرقة نيتشه التي هشمت الأصنام وفتحت آفاق الفلسفة، لا يتوقفون عن الانفعالات الهادمة والعنيفة بدل التفاعل الواعي، انفعالات عمياء تجابه قذارة العنف الجاهل بقذارة العنف المزوّق، في لحظة يتحولون إلى “زومبي” وأكلة لحوم بشر ومؤسسات إفتاء بالقتل، ليجابهوا “زومبي” آخرين هم أبناء منظومة كاملة وهم ضحاياها وجُناتها قبل أن يكونوا ضحايا أنفسهم المضطربة وجناتها.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)