ardanlendeelitkufaruessvtr

حديث الخميس: (شنجن) بين صوت السماء وخرس الارض

حسان الحديثي 
 
 
ملاحظة: شنجن او Shenzhen مدينة في بلاد الصين.... 
 
لا بد لفكر الانسان ان يتوهم الضياع لمجرد التفکر بالسفر الى الصين ، وإن لم يضع ووجد نفسه حقيقةً وواقعاً يسير في سبلها وبين ناسها فلا بد للعقل ان يتوقف للحظة ويرجع خطوة للوراء ليس احجاماً بل يرجع اقدماً للهول الذي سيدلف فيه عندما يعلم انه ليس اكثر من كائن بشري يشغل كرسياً في طائرة تحمل على متنها بضع مئات من البشر ستحط في بلاد يهبط ويقلع من مطاراتها ما يقارب الاربعين مليون من اقرانه البشر يومياً، ولابد للقلب ان يعيد ضبط دقاته ايضاً عندما يفكر ان طيران الشركات الصينية لديها ما يزيد على مئة الف رحلة جوية يومياً، كل ذلك يقول لك ببساطة وانت تطأ ارض الصين من انت؟  ومن اي بلد قادم؟ وبماذا جئت 
 
لقد صدق نابليون بونابرت بتوقعه عندما اطلق مقولته العجيبة: دعوا الصين نائمة لأنها عندما تستيقظ سيهتز العالم، والأعجب انه قالها عام 1816اي قبل قرنين من الزمن وها هو التنين يستيقظ ليتربع على مشارق الارض ومغاربها، لقد طار بي هذا القول بعيداً عندما قلت في نفسي لو ان اهل بلاد الصين كلهم ضربوا الارض باقدامهم ضربة واحدة بلحظة واحدة لتحقق قول بونابرت حقيقة ولاهتز العالم فعلا... 
 
اي افواه واي ارانب يتكلم عنها المصريون؟ والمصريون كلهم بقضهم وقضيضهم -وهم الامة العربية الاكبر- لا يعدلون الا عدد المسافرين في ومن والى بلاد الصين ليومين فقط. 
 
شنجن كما يتلفظها الصينيون او "شنزن" كما نتلفظها نحن العرب هي المدينة التي لم يتجاوز عمرها 40 عاماً وقد كانت وجهتي هذه المرة. 
 
هذه المدينة التي أقيمت على بعد مرمى عصا من هونج كونج مركز المال والاعمال في الشرق الاقصى حين بلغت هونج كونج ذروتها بغلاء اسعار العقارات فلم يجد اهلُها بُدّاً من التوسع الى مدينة شنجن لرخص الأراضي والايدي العاملة لبناء مصانعهم وشركاتهم التجارية .
 
وهي -كباقي مدن الصين- مدينة دائمة الدهشة فالحركة فيها تفوق الخيال وتعيق العقل من عبور حدود الارقام والاغرب في هذه المدينة انها اثبتت جبروت حواء فالنساء فيها سبعة اضعاف الرجال فلا تكاد تتعامل مع رجل في غالب يومك، ولو اجتمع نساء هذه المدينة على ان يقرن في بيوتهن ولا يخرجن لاعمالهن لماتت المدينة وتوقف نبضها تماماً ولقرأنا عليها السلام فالنساء شرايين هذه المدينة وقلبها النابض بالحياة. 
 
ولاني احاول استكشاف المدن عند زيارتها، اخذتني قدماي يوماً بعيدا عن مركزها امشي في ازقتها الضيقة اعبر من دهشة لدهشة وانتقل بين انبهار وانبهار في حياة هذا الشعب الذي لا يهدأ ولا يتوقف عن العمل الا حين ينام فهو يعمل حتى حين يأكل، شعب لا ترى فيه بديناً، كما لا ترى فيه سائلاً وهذا يدل على ان هذا الشعب دائم الحركة فلا تصيبه البدانه ، وكله يعمل فلا تجد فيه متسولاً.
 
امشي وانظر الى الناس وهم لا يأبهون بمن يمر بهم ولا يحفلون بالغريب وكأن قول الله ينطبق عليهم: لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. 
 
حتى وصلت الي حي بأزقة ضيقة لا يتسع الزقاق فيها لتقابل سيارتين صغيرتين، حيٍّ مزدحمٍ بالناس تعلو فيه اصوات الباعة على كل صوت غيره،  حتى يخيل لي لو ان اسرافيل -عليه السلام- نفخ في الصور نفختيه لما سمعه احد من اهل هذا الحي، وهم يُخرجون هواء كلامهم من انوفهم فلا تستطيع ان تميز الا هاءاتِهم وشيناتِهم حتى امتلأ الجوُّ بوشوشة تصمُّ الآذان وتطبقُ على الانفاس ووجدتُني فيهم جائعاً لاثأنفاس الهواء كغريق السياب في هذا البحر المتلاطم من الاصوات حين قال:
 
كجوع كلّ دم الغريق إلى الهواء
شوق الجنين إذا اشرأبّ من الظلام إلى الولادة
 
ولم يخطر ببالي قولٌ في تلك اللحظة الا قوله تعالى في ذي القرنين : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا. 
 
وانا بين هذا الضجيج الذي لا تكاد تميز فيه الأذن قولاً ولا فهماً ، وتخرج منها الاصوات كما تدخل فيها دون ان تعلق كلمة واحدة ولا حرف واحد،  وانا في تلك الحال وبين ذلك كله إنسابَ الى سمعي للحظة صوتٌ اعرفه، صوتٌ جاءني متسرباً من بين كل هذه الوشوشة لجزء من الثانية ثم ضاع في بحر من الضجيج مرة اخرى،  ركزت سمعي جيداً لالتقطه، التفت يمينا ثم شمالا  وانا احاول ان اجده في زحمة الاصوات. 
 
وددت لو صرخت بالناس من حولي اسكتوا .....
ثم احجمت، فمن سيأبه بي وبصوتي، سيضيع كضياع شعرة في عنبر للقش، فتركته ومضيت في طريقي. 
وما هي الا لحظات حتى عاد الصوت مرة اخرى مخترقا زحمة الاصوات وكأنه يتقصدني من بين الاف البشر حولي ...
 
وما كدت ان استله حتى ضاع مرة اخرى...
وقفت ادير باذنيَّ بين الاصوات وبعينيَّ في وجوه الناس كام اضاعت ولدها يوم عيد، غير انها تبحث عن شي تعرفه اكثر من معرفتها لكفيها وانا ابحث عن شي مجهول لا اعرفه فهو شي غير محسوس ولا ملموس.
اني ببساطة ابحث عن صوت في الصين. 
يا للنكتةِ الباردة والموقف الساذج -اقول لنفسي
من سيصدقني في ساعتي تلك ان سألني سائل: عن اي شي تبحث؟ وقلت له ابحث عن صوت.
 
لقد اصابني الشك في سمعي وربما في عقلي ايضاً وشعرت بارتباك شديد واضطربت انفاسي وعشت في حيرة قاتلة ومشيت محاولاً ان اخرج من هذا الاختناق الذي انا فيه باي سبيل ، فاسرعت الخطى بهمة عالية واكتاف الناس تنوشني ذات اليمين وذات الشمال من شدة الزحمة ، وانا على تلك الحال .....
عاد ذلك الصوت واخترق اذني مرة ثالثة كاختراق ابرة لكومة صوف فايقنت لحظتها اني لست مجنونا ولا نائما وما اسمعه هو محض حقيقة  وواقع. 
فتتبعت مصدر الصوت حتى ادركته حين بدأ ياتيني متقطعاً يستقر تارة ويضيع اخرى وانا احاول الامساك به بسمعي متتبعاً مصدره حتى وعيته فتمكنت منه واطبقت بسمعي عليه فاذا هو صوت محمد المنشاوي يقرأ آياً من الذكر الحكيم وانا لا اكاد اصدق ما اسمع حتى تكذّب اذني كل ظن. واقول لنفسي: قرآن ؟ وبصوت المنشاوي هنا؟  اين انا بالضبط؟ وما هذا الحي الذي انا فيه؟  ومن هم هؤلاء الناس؟ 
 
مشيت خلف الصوت اقتصُّ مصدره والصوت يزداد وضوحا حتى وصلت ناصية زقاق لا يختلف عن بقية الازقة من حولي وعلى بعد امتار منه يعلو صوت محمد المنشاوي فيتردد في الآفاق ويشق زحمة الاصوات ويخترق اختلاف الشنشنات والهمهمات. 
 
مشيت باتجاهه حتى وقفت على دكان خباز لا تتجاوز مساحته الستة امتار مربعة انتصبتْ في عمقِه تنورٌ مستديرة حولها دكةٌ يجلس عليها شيخ ذو لحية ناعمة قطنية اللون تنساب على صدره كالماء وتغطي رأسه الصغيرَ طاقيةٌ بيضاء وقد كتب الزمن على وجهه كل تعابير السنين وتحطمت بين فكيه عظام العمر فلم يبق منها عظم قائم، نظرت اليه وقد اعتلى تنوره متربعاً فوقها ومعه فتى عشريني يحضّر له اقراص العجين فيتناولها الشيخ ويديرها دورتين او ثلاث في الهواء ثم يلصقها على جوانب تنوره المتوقدة برشاقة وجمال وكأن ابن الرومي كان له واصفا حين قال:
 
مـا أنـسَ لا أنـسَ خـبـّازاً مررتُ بــه
يـدحـو الرُّقاقة َ وشكَ اللمحِ بالبصرِ
 
مــا بـيـن رؤيـتـها فـي كــفـــِه كــرةً
وبــيــن رؤيـــتـهــا قـوراءَ كـالـقـمـرِ
 
إلا بــمـقــدارِ مـــا تــنــداحُ دائـــــرةٌ
في صفحة الماء يُرمَى فيه بالحجرِ
 
وقفت استمع لمقام نهاوند من حنجرة المنشاوي وكأنه هطول رحمات السماء على هذا الحي من الارض ، اجيل النظر بحيطان الخباز وقد غطتها صورٌ تحاكي الحرمين الشريفين المكي والمدني، والعجوز وابنه غارقان في عملهما لا يأبهان بوقوفي.
اقول لنفسي: لكأني دخلت للتو حيّاً من احياء المسلمين في هذه الناحية البعيدة من مركز المدينة. 
 
وبينما انا واقف لا ادري ما اصنع حانت من الشيخ التفاتة فلما رآني وقرأ وجهي الغريب عن وجوه اهل الحي نزل من على تنوره بخفة وهدوء ونفض يديه من بقايا الطحين ومسحهما بجانبي سروالة ثم هم بسؤالي ظاناً اني هنا لشراء الخبر. 
 
كانت اللغة والفهم حاجزين منيعين بيننا فلا هو بالقائل ولا انا بالفاهم للقول،  فالتفت للفتى لعله يعينه بكلمة من هنا او اشارة من هناك فلم يكن الفتى بأفصح من ابيه ومني، ولا اكثر فهما لقولي من فهمي لقولهما. 
 
فبقينا نحن الثلاثة صامتين مطبقي الشفاه الا من ابتسامة ارتسمت على وجوهنا الحائرة وعيون تغرق في ما يقابلها من العيون، حتى كسرتُ انا ذلك الصمت وقلت: السلام عليكم
فاجاب الاثنان بانفتاح سريرة وتوهج عين وانطلاق محيا: وعليكم السلام 
 
فكان ذلك كل ما قلناه..... 
ثم عدنا نحن الثلاثة الى ذات السكوت وذات الابتسامة الخجلة،  تلفت الشيخ يميناً وشمالاً ليفعلَ شيئاً ازاء ما نحن فيه او ليجدَ ما يعينه على حاله، ربما ليسألني ما الذي اتى بي الى اقاصي الارض هنا،  او ربما ليقوم بواجب الضيافة والترحيب بالقدوم، وانا انظر اليه وهو في حيرته تلك وقد عجز لساني ولسانه عن نطق كلمة واحدة.
وحين اعيته سبلُه ولم يجدْ ما يقوله لي، وقف حائراً ثم تناول رغيف خبز بكلتا يديه وقدّمه لي على استحياء وخجل. 
 
اخذت منه الرغيف مؤمناً بأن رغيف الخبز هذا أبلغ من اي لغة وأفصح من الف لسان، وحين قرأت الحرج في وجه الشيخ وابنه وأحسست ذات الحرج في وجهي قررت ان اتركهما وامضي لسبيلي ولسان حالي يردد:
 
وانت كالريحِ تغريك الجهاتُ بها
وانت كالصـمتِ مهـزومٌ ومنـهارُ١
 
فتركتهما ومشيت في طريقي مشيَّعاً بابتسامة من الشيخ ونظرة حزن من الفتى، وتحويلة هائلة لمحمد المنشاوي من نغم النهاوند الى نغم الصبا.
 
١- بيت للشاعر العراقي محمود الدرويش
قيم الموضوع
(0 أصوات)
حسان الحديثي

عراقي من مواليد مدينة حديثه/العراق ويعيش حالياً في المملكة المتحدة
كاتب وباحث ودارس في ألادب العربي وتاريخه
يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية
له مخطوطتان تحت الطبع هما ” حديث الخميس ” ، ” والسياب شاعر الانسانية الاكبر ”