ardanlendeelitkufaruessvtr

أدباء.. ناشرون

بقلم وارد بدر السالم أيلول/سبتمبر 26, 2018 114

أدباء.. ناشرون
الناشرون الجدد من المثقفين والأدباء ستقع عليهم مسؤولية "الفرز" الإبداعي بمطبوعاتهم التي سترى النور؛ وهي سوق تنافسية بالنتيجة.
آليات ثقافية جديدة انبثقت من واقع الحال الثقافي الجديد (لوحة: رشوان عبدلكي)
في ربيع الثقافة العراقية المفترَض مع مرحلة التغيير السياسية الحاسمة، انتعشت دور النشر في العراق بشكل واضح في السنوات الأخيرة ضمن توسع المشهد الثقافي المحلي عموما، تجاوزاً للشعار المعروف “وبغداد تقرأ” لتصبح “وبغداد تقرأ وتؤلف وتطبع وتنشر”، وهو شعار استهلالي متفائل في طبيعة الحياة الثقافية المحلية التي انفتحت أجنحتها على العالَم، ووجد شارع المتنبي أن كثيراً من دور النشر استُحدِثت وحطّت في رحاله لناشرين كثيرين، مبشّرةً بعصر جديد في التأليف والطبع والنشر والتوزيع، وهذه مهمة جديدة تماماً فتحت الآفاق واسعة للنشر والتوزيع بعد أن كان الكتاب العراقي محكوما بسلطة ثقافية واحدة هي التي توافق أو لا توافق على الطبع والنشر والتوزيع.
وعندما تصبح بغداد “تؤلف وتطبع وتنشر وتوزّع” في رباعية متتالية بعد أن كانت فقط تقرأ، في أحادية قارّة عقوداً طويلة، فهذا يشير إلى آليات ثقافية جديدة انبثقت من واقع الحال الثقافي الجديد، الذي يحاول أن يتماسك ويصعد إلى المتن ويعوّض الكثير مما فاته بشأن الكتابة والطباعة والنشر والتوزيع، ومغادرة الهامش إلى فضاءات أكثر معقولية في اتساعاتها وروافدها التي نعرفها.
 ومن ثم تأسيس “حالة طباعية” متمكنة من تلبية الحاجات الأدبية والثقافية والفكرية والأكاديمية وما إلى ذلك من مشروعات طباعية كثيرة. لتكون بغداد مؤلفة وطبّاعة وناشرة وموزعة، وهذه أمنية تحقق القسم الأعظم منها حتى الآن مع دور نشر كانت قليلة ومغامِرة، لكنها انتشرت الآن بشكل واضح وتوسعت صلاحياتها وطبعت ونشرت ووزّعت. وهذه كلها جهات مدنية شخصية لا علاقة للسلطة والدولة بها، بل هي التي تموّل نفسها وتساهم في إشاعة الكتاب العراقي طبعاً وتوزيعاً حتى خارج العراق ومع المعارض العربية.
اللافت للأنظار أن عدداً من الأدباء المعروفين؛ روائيين ونقادا وشعراء؛ دخلوا ميدان النشر والطباعة في بادرة مفاجِئة تعني الكثير مما يتوجب قوله في هذه المناسبة التي تعيد بشكلٍ ما صورة من صور التكافل الأخلاقي والأدبي والإنساني على أسس ثقافية محضة لا سيما وأن “الناشرين الجدد” من الأدباء المعروفين هم الأقرب لفكرة النشر ومعطياتها ومشاكلها أيضاً، وبالتالي هم الأقرب إلى فحص الحالة الطباعية ومستوياتها الإبداعية، وهذا يعني إن كانت دور النشر الأخرى تطبع بطريقة تجارية ولا تفرز غثَّ الكتابة من سَمينها، فالناشرون الجدد معنيون بإخراج شعار “بغداد تؤلف وتطبع” إلى حيز الوجود الجمالي قبل التجاري وتكون انتقاءاتهم الطباعية معرفية وإبداعية فيها من التميز والصنعة ما يجعلها جاذبة للقارئ.
 هنا سنجد نسبياً الفرق بين التجارة والإبداع؛ التجارة بمعناها التسويقي الرائج الذي يُخضع الكتاب للعرض والطلب، والإبداع بمعناه الجمالي الفني الذي يُخضع الكتاب لقارئ آخر أكثر جدية من القارئ الأول، فمنافذ التسويق العراقية ومكتباتها الكثيرة تحتضن الحالتين وتسوقهما بأكثر من طريقة، مادام قد توفر لدينا قارئ بإمكانه الفرز والتصويت على الجمال واقتنائه.
الناشرون الجدد من المثقفين والأدباء ستقع عليهم مسؤولية “الفرز” الإبداعي بمطبوعاتهم التي سترى النور؛ وهي سوق تنافسية بالنتيجة؛ بعدما رأينا مطبوعات سابقة لبعضها في اتجاهاتها “المناطقية” التي ربما سنقف عندها ذات يوم فحصاً وتقويماً، فهذه مسؤولية جماعية بأن نُبعِد الشبهات الطائفية والمناطقية كما فعلت السياسة وخططها المريبة، وهذه المطالبة هي حق طبيعي بأن تكون الثقافة العراقية شاملة وناصعة، بعيداً عن هذا “التفخيخ” الذي نعدّه الآن غير مقصود، وهذه مهمة أخرى على الناشرين الجدد، من الأدباء، أن ينظروا إليها بعين الاعتبار. مدركين أن التنافس المبدئي سيكون حراً بين القديم والجديد وهو تنافس لا يقوم على العرض والطلب فحسب، إنما على الجودة الإبداعية ونقيضها تماماً.
روائي عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)