ardanlendeelitkufaruessvtr

أبناء داروين أم فرويد؟

بقلم هيثم الزبيدي تشرين1/أكتوير 03, 2018 104

أبناء داروين أم فرويد؟
الآن بوسع الباحثين الربط بين مجموعات الجينات وليس نسبة الملاحظة المثبتة عن الشكل وعن السلوك إلى جين واحد. هذا الجين يجعلك عدوانيا وذاك يعطي هذا الشعب عيونه السود الواسعة.
هل سلوكنا وليد الجينات؟
وأنت تكبر تسمع الناس يرددون أمثلة محددة عن أنفسهم ويصدقونها تماما. “الولد سر أبيه”. “ثلثين الولد على خاله”. هذه أوصاف تبدو عامة ولكنها تسعى لتثبيت أشياء مظهرية وسلوكية في الإنسان وتنسبها إلى أنه ابن مَن ومَن هم أخواله، أي من تكون أمه بهدف تجنب الإشارة للأم في المجتمعات الشرقية.
لعل هذه الأمثال البسيطة تدفعنا إلى النظر للأشياء من باب علمي أكثر. إنها نوع من التوصيف الجيني للإنسان. تستطيع أن تعرف شكل وسلوك الطفل مبكرا إذا نظرت إلى أبيه أو خاله.
هذه الأوصاف خطيرة من وجهة نظر اجتماعية بالطبع. لأن البعد الاجتماعي الذي ظل يُعتقد بأنه يشكل سلوك الفرد ونجاحه، يبدو غير مهم بهذه الأمثال. كأننا نقول إنك مهما علمت ودربت وربيت الطفل أو الشاب اجتماعيا في بيئة أو مدارس أو منظومة دولة، فإنه سيبقى أسيرا بشكل غير منظور لجينات أبيه وجينات أمه.
في مجتمعات شرقية بسيطة تمر هذه الأمور نسبيا من دون حساسيات كبرى. سيقولون لك “على الأصل دوّر”، أي “تزوج الأصيلة ونام على الحصيرة”. فالأصل العائلي يقدم ضمانات عن السلوك. لكن هذه النظرة تسببت بالكثير من الإشكالات في المجتمعات الغربية المتقدمة. الغرب في ما بعد الثورة العلمية ظل يرفض القبول بهذه الافتراضات، على الأقل علميا حتى وإن جاراها اجتماعيا وسلوكيا. شخصية مثل الزعيم النازي أدولف هتلر لم تتردد في الحديث عن النقاء العرقي، أو أن تقوم بجرائم إبادة للتخلص ممن تراهم “معطوبين” جينيا.
لكن نفس العلوم التي تسلح بها الغرب للدفاع عن التنشئة في مواجهة الجينات، كانت تقوده إلى استنتاجات لا تقل خطورة. فبين حين وآخر يتقدم علماء ليقولوا إن الجينات أخطر وأهم كثيرا من التنشئة. ثمة جدل لا يتوقف يريد أن يقول إننا نقبل الطول ولون الشعر والعينين والجلد وملامح الأنف والجبهة في التشابه بين الابن وأبيه، ولكن ماذا عن ماكنة الجينات الداخلية التي تتدخل في العقل وكيف يتشكل.
في التسعينات برز الحديث عن “منحنى الجرس” أي أن أناسا يجلسون على قمة المنحنى وآخرين في قعره. شيء عنصري تماما ولا يمكن القبول به للتمييز بين الأجناس، لأنه يصف نظريات النقاء العرقي بلغة أفضل ولكنها لا تختلف كثيرا عما قاله النازيون.
تراجع الحديث بعد هذه النظرية العاصفة عن الجينات، لكنها عادت لتطاردنا من جديد بعد زيادة القدرة التخزينية والحسابية للكمبيوترات.
 الآن بوسع الباحثين الربط بين مجموعات الجينات وليس نسبة الملاحظة المثبتة عن الشكل وعن السلوك إلى جين واحد. هذا الجين يجعلك عدوانيا وذاك يعطي هذا الشعب عيونه السود الواسعة. الآن هناك عالم اسمه روبرت بلومن قضى 30 سنة في دراسة التأثيرات الجينية ليقول إننا أبناء “خريطة جينية” معدة سلفا وأن التأثيرات التربوية ترسم السلوكيات العامة للمجموعات البشرية والاجتماعية ولكن ليس الأفراد.
إنها حيرة جديدة أمام الناس، وكأنهم يختارون بين قبول سلوك هو من ثمرات نظرية “النشوء والارتقاء” لتشارلز داروين أو من الوصف الذي قدمه لنا كتاب “تفسير الأحلام” لسيغموند فرويد. هل سلوكنا وليد الجينات أم ما تعلمناه في المدرسة وكبتناه من غضب في أنفسنا؟
كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)