ardanlendeelitkufaruessvtr

التعذيب بالموسيقى

بقلم عدلي صادق تشرين1/أكتوير 14, 2018 22

التعذيب بالموسيقى
في اللقاء مع مدير السجن، أصبحت الموسيقى التي انقلبت وظيفتها، موضوعا رئيسا، بدأ به رفيق طريف. قال لمدير السجن “جَلَستْ.. جَلَستْ.. جَلَستْ” نريدها أن تقف مرة، أن تتحرك، أن تخرج وأن تتنفّس!
الأغنية العذبة تتحول إلى سوط عذاب
كنا دائما، في اعتقالنا المديد، نطالب بتحسين شروط حياتنا، فلا يُستجاب لبعض ما نريد إلا بالإضراب عن الطعام. يُلبّى الأمر الثانوي ويتعثر الأساسي. في ذات واقعة، كان من بين ما نريد، أن نستمع إلى بعض الموسيقى، لكي يطغى صوتٌ عذبٌ على ضجيج السجن في النهار، وجاءت التلبية بإحضار عشرة أشرطة جديدة، مُنتقاة، لمشاهير المطربين والمطربات، وبدأت ميكروفونات العنابر تحمل إلينا النغم من غرفة الضابط المناوب!
كأنما السجّانون قد أخذوا علما بما يقرره علم النفس، بخصوص إمكانية تحويل الموسيقى إلى وسيلة تعذيب. فالموسيقى في الأصل، ذات تأثير في كيمياء المُخ، لا سيما في مستويات تردّدها وتكرارها وتفاوت طبقاتها، ناهيك عن المعاني المختارة لفحوى الأغنيات.
وقرأنا أن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي “أف.بي.آي” هو أول من اشتق لنفسه فكرة التعذيب بالموسيقى. لكنّ حاملي المفاتيح في سجننا اتبعوا وسيلة أعتى، لكي تنقلب تلبية الطلب إلى عبء على حاسة السمع وعلى نبضات القلب، وتُحيل الأغنية العذبة إلى سوط عذاب. كانت أولى التكتيكات هي تدوير الشريط نفسه حتى يَبلى أو يتقطع. وذريعة السجان هي انشغالاته، فلا وقت عنده لتغيير الشريط لزوم ترفنا.
كانت “قارئة الفنجان” جديدة وبدأوا بها. تلقيناها ابتداء بترحاب، مستمتعين بمذاق موسيقى محمد الموجي، وهي ذات نكهة خاصة. ومع التكرار، كان وقع الموسيقى يغطس، وتطفو معاني التشاؤم والقدرية البائسة في قصيدة نزار.
 معتنقو الماركسية تقبلوا الموضوع شكلا في البداية، لكنهم رفضوا المضمون وأداروا حديثا عن اليائس الذي لجأ إلى قارئة فنجان، ودخلنا في مسألة ما وراء الطبيعة والوجود المادي. بعدئذ، ومع التكرار نفسه، تأفّف المؤمنون والقدريون. وساعدت بعض المقاطع على مفاقمة التبرّم، وأقلها شؤما تلك التي يقول فيها عبدالحليم “وسترجع يوما يا ولدي، مهزوما مكسور الوجدان، وستعرف بعد رحيل العمر، بأنك كنت تطارد خيط دخان”!.
لم تعد لنا حاجة للأغنية، فلماذا ننهزم وكيف نطارد خيط دخان؟ كان الجواب هو البدء من جديد “جَلَستْ والخوف بعينيها..”. وكلما انتهى موضوع السيدة القارئة، نعود إلى سماع الحكاية نفسها. فقد جلست مرة أخرى، وستجلس مرارا.
طالبنا من جديد بتحسين شروط حياتنا. وفي اللقاء مع مدير السجن، أصبحت الموسيقى التي انقلبت وظيفتها، موضوعا رئيسا، بدأ به رفيق طريف. قال لمدير السجن “جَلَستْ.. جَلَستْ.. جَلَستْ” نريدها أن تقف مرة، أن تتحرك، أن تخرج وأن تتنفّس!
كانت الأغنية، بمعايير الجودة، عملا فنيا بديعا، لكن موضوعها في ظروفنا، لم يكن صالحا للتسرية عن القلوب، وإن كان -ربما- يتنبّأ بالآتي!
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)