ardanlendeelitkufaruessvtr

إسبانيا في مواجهة التطرف الديني داخل السجون

بقلم إدريس الكنبوري تشرين1/أكتوير 26, 2018 345

إسبانيا في مواجهة التطرف الديني داخل السجون
إسبانيا ليست لديها خبرة طويلة في التعامل مع الإرهاب ذي اللبوس الديني الإسلامي، مقارنة مع فرنسا على سبيل المثال.
موقوف بتهمة الإرهاب في طريقه إلى السجن
تعيش إسبانيا معضلة حقيقية مع ظاهرة التطرف الديني داخل مراكز الاعتقال فيها، التي باتت تؤرق المسؤولين الحكوميين في وزارتي العدل والداخلية والمنظمات غير الحكومية المتخصصة في محاربة التطرف والإرهاب، التي ما تفتأ في كل مرة تقرع أجراس الإنذار بشأن خطورة انتشار التطرف بين المعتقلين في قضايا الحق العام، وصعوبة تحويل المتطرفين إلى أشخاص عاديين قابلين للاندماج في المجتمع وتطليق التشدد.
آخر التقارير التي صدرت هذا الأسبوع عن “الكتابة العامة للمؤسسات السجنية” التابعة لوزارة الداخلية كشف حجم هذه المعضلة الكبيرة. فقد أكد التقرير أن عدد السجناء المتطرفين الذين استفادوا من برنامج محاربة التطرف، الذي تم إطلاقه عام 2014، لم يتعد 15 سجينا طيلة أربع سنوات، من أصل 250 سجينا معتقلين في قضايا مرتبطة بالإرهاب والانتماء إلى الجماعات الإرهابية، الأمر الذي يظهر الصعوبة التي يتميز بها هذا البرنامج في إقناع المتطرفين بالتغير، وأيضا غياب القابلية لدى عدد كبير من المعتقلين للاقتناع بمبادئ البرنامج.
لكن المشكلة تكمن أساسا في طبيعة هذا البرنامج، كونه يعتمد فقط على إقناع السجين المتطرف بالتخلي عن فكرة القيام بعمل إرهابي أو عنيف، من دون المساس بعقيدته أو أيديولوجيته، كما تقول المؤسسة، عبر الاعتماد على خبراء نفسيين بدرجة أساسية؛ إذ البرنامج يميز بين العمل الإرهابي في حد ذاته، بوصفه لجوءا إلى استعمال العنف والكراهية، وبين الفكرة التي تشكل الحافز لذلك العنف وتعطيه الشرعية الدينية.
أحد الأسباب وراء هذا التمييز، غير المنتج، أن المسؤولين الإسبان يحاولون توجيه رسالة إلى المعتقلين، الذين تتشكل غالبيتهم العظمى من المهاجرين المسلمين مقابل أقلية صغيرة من الإسبان المتحولين إلى الإسلام، مفادها أن إسبانيا ليست معادية للإسلام والعقيدة الإسلامية، وأن المهمة الأساسية التي تريد أن تنهض بها هي محاربة الإرهاب والعنف دون المساس بعقيدة الشخص. وهذا ناتج بطبيعة الحال عن الجهل بعوامل التطرف الديني لدى الشباب المهاجر، وعدم الاعتماد على خبراء ذوي خلفية فكرية من العالم العربي، والاكتفاء بالجوانب الفنية الظاهرية من التطرف، وهي استعمال العنف الملجئ إلى القتل والتدمير.
يفسر ذلك أن إسبانيا ليست لديها خبرة طويلة في التعامل مع الإرهاب ذي اللبوس الديني الإسلامي، مقارنة مع فرنسا على سبيل المثال. فمنذ عقد الخمسينات من القرن الماضي كان الإرهاب الوحيد الذي واجهته الدولة ذا طابع تدميري دون عقيدة يتأسس عليها، مثلته حركة “إيتا” الباسكية الانفصالية، التي أعلنت حل نفسها في شهر ماي الماضي، واضعة حدا لمسار طويل من المواجهات الدموية.
وطوال العقود الماضية ترسخت لدى المسؤولين فكرة تقول بأن الإرهاب يمكن التصدي له من دون الحاجة إلى المساس بالعقيدة التي تقف وراءه، بل أن الإرهاب يمكن أن ينتج عن غير عقيدة.
وخلال زيارتي لإسبانيا قبل أسبوعين وإلقائي محاضرتين بكل من إشبيلية وبلباو، التي تقع في إقليم الباسك حيث ولدت “إيتا”، بمناسبة صدور كتابي الجديد باللغة الإسبانية بمدريد، كان السؤال الرئيس الذي يتكرر على ألسنة الحاضرين، ومنهم موظفون في أجهزة الأمن، هو طبيعة التعامل مع سجناء مسلمين متطرفين غير مرتبطين ثقافيا بإسبانيا، حتى وإن كان بعضهم يحمل جنسيتها (65 سجينا من بين 250 المذكورين أعلاه لديهم الجنسية الإسبانية)؛ فهم يعتبرون أن هؤلاء السجناء “غرباء” عن البلاد، وبالتالي فإن الدولة غير معنية بالعقيدة التي يحملونها بقدر ما يعنيها الإرهاب الذي يمارسونه. زد على ذلك أن القانون في إسبانيا لا يحاكم الأشخاص بسبب عقيدتهم، حتى وإن كانت متطرفة، بل يحاكمهم في ضوء الجرائم التي يقترفونها.
ويبدو أن هذا أحد أسباب تحول السجون في إسبانيا إلى أعشاش للتطرف، بل الأكثر خطورة أن السجناء المعتقلين في ملفات الإرهاب أصبحوا يلجأون إلى تكوين خلايا إرهابية داخل السجون ويضعون مخططات لتنفيذ عمليات إرهابية من داخل السجن، وهو أمر غير مسبوق في كل أوروبا.
وفي الأول من أكتوبر الماضي تم تفكيك خلية إرهابية يتوزع عناصرها الخمسة والعشرون على 17 سجنا من سجون إسبانيا البالغ عددها 25 سجنا، يرأسها سجين معتقل في ملف تفجيرات القطارات عام 2004 يدعى محمد أشرف الذي كان محكوما بالسجن 14 عاما، وكان سيغادر السجن في نفس الشهر بعد قضاء مدة العقوبة.
وكشفت التحريات أن اثنين من أبرز المعتقلين في نفس الملف، وهما حسن الحسكي وجمال زوكام، الذي يقضي عقوبة بالسجن لمدة تزيد على 42 عاما لمسؤوليته المباشرة عن مقتل 191 شخصا في تلك التفجيرات، ينتميان إلى تلك الخلية.
كاتب مغربي

قيم الموضوع
(0 أصوات)