ardanlendeelitkufaruessvtr

السيرة في التراث

بقلم حميد سعيد تشرين2/نوفمبر 10, 2018 18

السيرة في التراث
إن السيرة، أي تناول الحدث التاريخي من خلال سيرة شخص، لم تغب في أي مرحلة من مراحل الكتابة في تاريخنا المعرفي.
فن السيرة الذاتية
حين كنت أكتب ملاحظاتي على رواية “موت صغير” لأعد مقالتي التي نشرتها في صحيفتنا “العرب” بعنوان “موت صغير.. قراءة ممتعة” وجدتني أراجع أوراقي التي تتعلق بالسيرة في تراثنا العربي، ما نشر منها وما لم ينشر، حيث ارتبطت مفردة السيرة في تاريخ الكتابة العربية بسيرة الرسول العربي، وإذ نقول كتابة السيرة، ينصرف قولنا إلى سيرة ابن إسحاق أو إلى سيرة ابن هشام، والأخيرة صدى للأولى ونقلٌ عنها، وإن صارت أكثر شهرة وتداولاً.
ومن ثمَّ ظهرت سيرٌ أخرى، كتبها مؤرخون، فعرفوا بها وعُرفت بهم، منها سيرة معاوية وبني سفيان، لعوانة الكلبي، وسيرة أحمد بن طولون، لابن الداية، وسيرة صلاح الدين، لابن شداد، غير أن هذه السير وسواها، لا تدخل في محيط السيرة الذاتية، لأن السيرة الذاتية هي التي يروي فيها شخص حقيقي، صفحات من حياته.
في أوائل تسعينات القرن الماضي، حاولت قراءة الفتوحات المكية لابن عربي، لكنني لم أقوَ على مواصلة قراءته، ولم أكتشف في ما قرأت منه، إن الشيخ يوزع أحداث حياته على صفحات سِفْرِهِ هذا، لكن حين قرأت كتاب حامد أبو زيد “هكذا تكلم ابن عربي” وجدت سيرة الشيخ، كما ينبغي للسيرة الذاتية أن تكون، حيث يتحدث عن طفولته وعن والده، في إطار الحديث عن نشأته، مكاناً وزماناً وأحداثاً وأناساً، وما فاته الحديث عن شيوخه وعلاقاته بأولئك الشيوخ.
ثم يواصل الحديث عن مراحل حياته وما رافقها من أحداث، وعن لقاءاته بابن رشد ومشاهدة جنازته، وعن لقاءاته “بالخضر” وما عرف من رؤى، خُصَّ بها، عَدّها بشرى، بما سيحقق من مكانة متميزة، وكتب عن رحلته إلى مكة المكرمة واكتمال تجربته الروحية فيها، ثم واصل رحلاته إلى بغداد وحلب والقدس والقاهرة ومالطة وقونية، ثم إقامته في دمشق حيث توفي فيها. وليس ابن عربي، وحده، الذي ضمَّن سيرته الذاتية خلال فصول كتاب، لم يكن الهدف من كتابته أن يكون سيرة ذاتية، فذلك ما فعله الإدريسي، وكذلك ما وجدناه في كتب الرحالة، ابن فضلان وابن جبير وابن بطوطة، ولعل هذا التداخل بين النصوص الرحلية والسيرة هو الذي جعل نوري الجراح ينشر كتاب ابن خلدون “التعريف بابن خلدون ورحلته شرقاً وغرباً” بعنوان “رحلة ابن خلدون” وعدّه واحداً من أصحاب كتب الرحلات، أما محمود عبدالغني، فقد عدّه سيرة ذاتية.
وممن كان له السبق، في كتابة سيرته، هو الرازي، الطبيب والفيلسوف، إذْ كتب رسالة تحدث فيها عن سيرته الفلسفية، وكذلك ابن الهيثم، الذي كتب سيرته الفكرية، وينقل عبدالغني عن الخطيب البغدادي قوله: ” إن أول قطعة من السيرة الذاتية، وصلتنا من العصر الإسلامي، ما رواه سلمان الفارسي عن نفسه” وفي الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، يجد القارئ ما رواه الشاعر “نصيب بن رباح” وهو من شعراء العصر الأموي، عن نفسه، وما رواه إبراهيم الموصلي من سيرته، وأرى أن روايات الموصلي تسجل ريادة تاريخية في فن السيرة الذاتية التي صارت في ما كتبه كتاب القرنين الأخيرين، جنساً أدبياً متميزاً.
أما في كتابات عملاقي النثر العربي، الجاحظ والتوحيدي، وفي ما كتب المعري، فتتوحد السيرة بالإبداع.
إن السيرة، أي تناول الحدث التاريخي من خلال سيرة شخص، لم تغب في أي مرحلة من مراحل الكتابة في تاريخنا المعرفي، فملحمة كلكامش، هي سيرة البطل الأسطوري كلكامش وصديقه انكيدو، وهذا ما كان أيضاً في الكتب السماوية، فسورة يوسف، بكل ما فيها من أفكار وأحداث وشخصيات وعبر، تتمركز حول سيرة يوسف عليه السلام، وعلى هذا الصعيد فإن الأمثلة كثيرة، وليس أيام العرب، ببعديها الواقعي والجمالي، إلا مجموعة من سير شهود تلك الأيام وصانعي أحداثها.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)