ardanlendeelitkufaruessvtr

أسئلة الزمن المر

بقلم د. قيس النوري تشرين2/نوفمبر 11, 2018 41

أسئلة الزمن المر
المطلوب بناء مفهوم أمن استراتيجي يوقف التدهور السريع لحال الأمة أولا ولضمان قوة التكوين الموعود ورصانته واستمراريته ثانياً
د. قيس النوري
أظهر الواقع العربي المعاش حالة تراجع غير مسبوق وهو يواجه حزمة مترابطة من التحديات وعلى مختلف الصعد، طالت الإنسان والمجتمع والثروة والأرض، مسببة انهياراً في البنى السياسية منها والمجتمعية وعجزها عن تحقيق الحد الأدنى من الأمن الجماعي للأمة.
من الحقائق البديهية الارتباط العضوي بين مفهومي الأمن والدفاع، ليس بالإمكان تحقيق الأمن من دون توافر عناصر ومستلزمات دفاع يرتكز على مفهوم واضح للأبعاد الشاملة لأمن الأمة متجاوزاً المفهوم العسكري الضيق لأمن النظام السياسي القطري، الذي أختبر وأثبت فشله برغم الإنفاق الهائل على التسلح.
ولسد هذه الفجوة سعت بعض النظم إلى الاحتماء بمظلة تحالفات خارجية، تحالفات هاربة الى الأمام من دون أن تدرك أن مثل هذه التحالفات تستثمر وترتب استحقاقات للعضو الأقوى في التحالف مما يحولها على صعيد المستقبل إلى مهدد للأمن القطري الجزئي ناهيك عن اختراقه للأمن القومي الشامل.
فالأمن بمعناه وأطره الشاملة لم يؤسس على قاعدة الأمن الاستراتيجي على صعيد الامة، وحتى على صعيد القطر الواحد أو الإقليم، حيث مارست النظم العربية سياسة اللهاث وراء تحقيق أمن تكتيكي تبعا للمتغيرات السياسية، ذلك الأمن الهش، الذي سرعان ما تعرض لاختبار انقلاب المتغير السياسي نفسه لنواحٍ وتوجهات سلبية، حتى صار فعل الامس عبئاً ثقيلاً على هدف الأمن، بل تجاوزه إلى تفاعلات وظفته القوى الإقليمية والدولية وسيلة فعالة للتدخل وفرض أجندتها في مفردات الصراع التي طالما عانى منها العرب منذ ما عرف بالمسألة الشرقية حيث وضعت المنطقة العربية.
                            ــ 2 ــ
تحت مشرط التقسيم
يجادل بعضهم أن ما تتعرض له أمة العرب، اليوم، من تحديات هي أكبر من قدراتها من حيث غياب مستلزمات الصد. في بعض هذا الجدل جزء من الصحة، لكنه يجانب الحقيقة في منطق تسويغي واضح لصالح نظم ثبت فشلها وعجزها الصارخ المقرون بالتواطؤ.
الأمن الاستراتيجي لأية أمة يؤسس على قواعد ثابتة لا تقبل تجاوزها بخاصة الانزلاق بالعمل على تحقيق الأمن الجزئي التكتيكي.
الذاكرة والخبرة التاريخية العربية المعاصرة، وهي تستعيد دراسة وتحليل السياسات النظمية العربية الممارسة مذ تشكلت الدولة القطرية لن يبذل جهدا في تأشير الأذى الذي ألحقته هذه النظم في مفهوم الامة وضرورات أمنها، تجسدت واتسمت بثابت سلبي في ممارساتها كانت وما زالت أغلب مشاهده التقاطع في السياسات حتى وصلت إلى اعتماد مرجعية استعمارية تقسيمية في تحديد أطار ووعاء أمنها بالحدود التي اختطها اتفاقية سايكس ــ بيكو، وحولت تلك الخطوط إلى قدس الأقداس وعملت عبر أجهزتها على تعبئة المواطن العربي فكريا وثقافيا وسياسيا على تكلس تفكيره في أطار حدوده التي أسموها وطنية.
أمم عديدة مثل الصين والهند وحتى الولايات المتحدة الأميركية، نجحت في بناء الوطن ــ الامة، برغم التباين في التكوينات والتلاوين المجتمعية لها، سر نجاحها أنها ارتكزت في حراكها السياسي والفكري على المفهوم الشامل للأمن الاستراتيجي، من دون أن تتورط بالانزلاق نحو أمن الجزء، وهي حالات مغايرة تماما للممارسات السياسية الحركية العربية.
المواطن العربي في مشهد اليوم، لم يفقد فقط أمنه القومي الشامل، وأنما فقد حتى أمنه القطري حتى وصل الأمر به إلى البحث عن أمن مسكن العائلة.
لا جدال أن الأمم تتعرض خلال تكوينها ومسيرتها الى نكسات تنال حتى من حدود وطنها القومي، لكن الأمم الحية تجاهد في توظيف الدرس لمعالجة الانكسار وتجعل من درس الماضي وسيلة نحو مزيد من السعي لتحقيق أمنها، وهنا يبرز المثال الألماني الذي استعاد وحدة التراب بجدارة برغم عقود طويلة من التفتيت المدعوم بإراده دولية عظمى ولت.
التاريخ العربي المعاصر شهد ولادة اتحاد قطرين عربيين (مصر وسوريا) ثم فشل الوليد في الاستمرار بسبب عوامل داخلية بحتة أكثر منها عوامل ومؤثرات خارجية، فالأوطان تسقط من الداخل أولا، ثم شهد التاريخ الأقرب ولادة نواة جنينية للتوحد ممثلة بمجلس التعاون العربي لدول الخليج، لكن هذه النواة هي الأخرى لم ترتق (بالتعاون) إلى (التوحد) وبقيت الحدود قائمة شاهدا على عزل الإنسان عن الإنسان.
الانكى من هذا النكوص تعاظم التحديات الداخلية وتفعيلها في بنية المجلس بما يهدد هيكليته التنظيمية ذاتها.
هذه الشواهد الخطرة تتطلب بصفة ملحة ثورة فكرية تجديدية وجذرية تضع أسس بناء مفهوم أمن استراتيجي يوقف التدهور السريع لحال الأمة أولا ولضمان قوة التكوين الموعود ورصانته واستمراريته ثانياً، وهذا ليس بمستحيل إذا ما تصالحت الأمة مع مكوناتها وتحررت من القيود الجامدة واستحضرت استحقاقات متغيرات العصر الذي نعيش.

قيم الموضوع
(0 أصوات)