ardanlendeelitkufaruessvtr
سيف الدين الدوري
 
الصحافة التي تلقب بالسلطة الرابعة بعد السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية. وتعتبر الصحافة مهنة البحث عن الحقيقة والبعض يقول البحث عن المتاعب بل وبعضهم يقول انها مهنة المتاعب. وما ذكرياتنا عن تأسيس الوكالة التي عملت فيها لمدة ثلاثين عاما من عام1962 حتى عام 1992 حيث قدمت طلبا للتقاعد. 
هنا أريد ان اكتب عن الوجه الآخر غير المرئي للصحفي الذي هو اشبه بالجندي المجهول  ولا احد يعرف كيف يسعى  وراء الخبر والحدث ويبذل جهود من اجل الوصول الى الحقيقة كما يصفون الصحفي بأنه رجل أمن أولا ودبلوماسي ثانيا. لا يعرفون ان كل المهن يحاول اصحابها الوصول الى المناصب سوى الصحفي الذي لا منصب يبحث عنه سوى الحقيقة. ولا احد يعرف كيف يقضي يومه كالجندي المجهول لكن يعرفونه في الخطأ فاذا اخطأ الصحفي فالويل الويل له وخاصة في الانظمة الفردية والدكتاتورية فهم اصحاب المهنة الوحيدة المعرضون للملاحقة والمطاردة والاعتقال والاغتيال .
ومعاناتي كمعاناة اي صحفي خلال سنوات او عقود العمل الصحفي ساختصرها بهذه الصفحات القليلة
 
عن كيفية عملي في الوكالة ففي حينها كنت طالبا في معهد اعداد المعلمين اول دورة افتتحت خلال السنة الدراسية 1961- 1962  والدراسة فيها سنتان بعد الدراسة الاعدادية ، يتخرج بعدها معلماً في احد المدارس الابتدائية  وعلمتُ ان الوكالة بحاجة الى موظفين . واخبرت اخي الاكبر ستار بذلك وصادف ان زارنا بهاء الشبيب شقيق  طالب شبيب وزير الخارجية في سلطة البعث الاولى ، وأخبرناه بذلك، وجلب لي رسالة من خاله خلف الجنابي  آمر كلية الطيران آنذاك، وسلمتها الى الوكالة عن طريق مسؤول الاستعلامات ويدعى (انترانيك) وتم قبولي موظفاً في شعبة الانصات المسائي ، لكن امرالتعيين  لم يصدر الا بعد ان تحصل موافقة مديرية الامن العامة بما يسمى بحسن سلوك او تحقيق هوية. 
. الا ان المعاملة تأخرت حوالي ثلاثة أشهر، وكلما أراجع دائرة الامن العامة لا أجد نتيجة . وفي إحدى مراجعاتي لدائرة الأمن التقيت ضابط الجنائية، ما أزال أتذكر إسمه ( كامل عبد علي) وكان مثالا للاخلاق، فقد أخبرني بأن مدير الأمن العام العقيد  عبد المجيد جليل  طلب مقابلتي. ونصحني عبد علي، قائلاً أنه سوف يتحدث معك وفي الأخير سيقول لك كلامي صحيح ؟ أجبه  نعم صحيح . وبالفعل عند مقابلتي له وجلست على  الكرسي المقابل له. ففتح ملفاً أمامه، وأخذ يقرأ به بصوتٍ عالٍ  حتى أسمعه  إذ قال " سيف الدوري من البعثيين النشطين في المنطقة". وبعد ذلك أخذ يتحدث عن الحركات والاحزاب السياسية في العراق. وقال جميعها تريد الحكم في العراق. لماذا لا نلتف حول قائدنا الزعيم الاوحد. وأشار بيده الى صورة الزعيم عبد الكريم قاسم على الجدار فوق رأسه . وقال صحيح ؟ أجبته نعم صحيح. وبعد أيام وصل الى الدائرة كتاب الموافقة. ولا أزال أتذكر إستلمت مبلغ تسعين ديناراً عن الأشهر الثلاثة التي  إشتغلت فيها دون راتب. كان مبلغاً كبيراً آنذاك. وقد باشرت عملي ليلاً في قسم الإنصات. مع مجموعة من العاملين في هذا القسم منهم  محمد سعيد الصحاف( سفير ووزير الخارجية والاعلام سابقاً ) الطالب في السنة الأخيرة بكلية التربية فرع اللغة الانكليزية ،وغازي الديراوي طالب اللغة العربية بكلية الاداب ( محافظ كربلاء فيما بعد) وعبد الحسين الفتلي طالب اللغة العربية في كلية التربية ( ودكتوراه فيما بعد واستاذ في كلية التربية) والمرحوم الدكتور كاظم بحر .وطه إدريس وفاروق جزراوي وميثم كمونة نجل عبد المجيد كمونة عضو مجلس السيادة، وسهام الحكيم وهدى عبد الرحمن  والمرحوم عبد الوهاب جدوع وفؤادعلاء الدين والمرحوم عدنان الدوري.
 
وعقب حركة 8 شباط تم تعيين المرحوم شاذل طاقة مديراً عاماً لوكالة الأنباء العراقية التي تحولت الى بناية أكبر مقابله للبناية السابقة، حيث تتكون الجديدة من اربع طوابق وقبو  بسبب  العدد الكبير الذي فيها. 
 ذات يوم إستدعاني  المدير المرحوم شاذل طاقة، وقال نريدك مراسلاً في مكتب الوكالة بدمشق ، وقال لي لكن لابد من موافقة السيد وزير الارشاد آنذاك علي صالح السعدي  فاذهب اليه في الوزارة واخبره. طبعا  كان المرحوم الوزير السعدي يعرفني جيدا حيث يزورنا دائما في البيت مع بعض أعضاء قيادة حزب البعث . توجهت الى الوزارة ومقرها بناية مقابل وزارة الدفاع، ودخلت على سكرتير الوزير سليم الزبيدي  الذي أدخلني فوراً على الوزير السعدي، الذي إستقبلني بترحاب وأبدى موافقته فوراً، حيث سلمني رسالة بذلك الى المدير  شاذل طاقة، وبعد إنجاز الاجراءات سافرت الى دمشق بالطريق البري بوسطة شركة( نيرن للنقليات) ووصلت الى دمشق التي اشاهدها لاول مرة. واتذكر خلال انعقاد المؤتمر القومي السادس لحزب البعث في دمشق  للفترة من 5 – 23 تشرين الاول  زار مكتب الوكالة  صدام حسين الذي حضر المؤتمر ممثلا عن مكتب الفلاحين، وكان صديقاً لمدير المكتب المحامي الاردني  (شاهر الطالب) منذ أن كان لاجئا في القاهرة، عقب محاولة إغتيال عبد الكريم قاسم عام 1959.وجلس في المكتب ولأول مرة التقي صدام حسين، بعد أن كنتُ اسمع عنه من خلال محاولة الاغتيال.
ومكثتُ في دمشق أشهرا قليلة عدتُ بإجازة الى بغداد ووصلتها  يوم 11/11/1963.وسمعت بخلافات داخل قيادة حزب البعث اسفرت عن ابعاد علي صالح السعدي في ذلك اليوم. وبعد إسبوع من وصولي الى بغداد وقع إنقلاب عبد السلام عارف الذي اسقط فيه سلطة البعث الاولى. وجرى اعتقالي في اليوم التالي حيث حضرت الى البيت ناقلة  عسكرية اخذت شقيقي الاكبر عبد الستار الدوري الذي كان يشغل مدير عام الاذاعة والتلفزيون والذي اذاع البيان الاول لثورة رمضان حينما احتلوا مرسلات ابي غريب هو وحازم جواد وطالب شبيب والمقدم عبد الستار عبد اللطيف.وبقيتُ في المعتقل إسبوعين أطلق سراحي، وعدت للعمل في الوكالة في شعبة الانصات .
وفي حوالي الساعة الحادية عشرة من صباح يوم  جمعة4/9/1964  زارنا في البيت صدام حسين، وكان شقيقي الاصغر زهير جالسا معي وسألني صدام : هل سمعت شيئاً ؟ أجبته بلا لم أسمع شيئاً . وبعد جلس بعض الوقت طلب كاس ماء وجلبته له، ثم غادر البيت. وفي مساء اليوم التالي، تم إعتقالي من وكالة الانباء العراقية، حيث اقتادوني عدد من رجال الأمن  الى مركز شرطة الصالحية، مقابل بناية الوكالة، ومنه الى مركز شرطة الكاظمية. حيث شاهدت عددا من البعثيين في المعتقل .قضيتُ الليل هناك وفي اليوم التالي نقلوني الى الأمن العامة، ووجدت أعداداً أخرى من البعثيين منهم  صلاح عمر العلي( عضو القيادة القطرية ووزير الاعلام) فيما بعد ومؤيد الصفار  وعشرات آخرين. بعدها نقلوني الى معتقل خلف السدة  وهو بناية مدارس الشرطة قرب ملعب الشعب الذي لم يكن قد شيد بعد. حيث مكثت حوالي ثلاثة أشهر أطلق سراحي .
 وقد عرفت سبب  الإعتقال أن محاولة جرت لاغتيال الرئيس عبد السلام عارف أثناء مغادرته مطار المثنى لحضور مؤتمر القمة العربي يوم 4 أو 5/9/1964 وفشلت المحاولة بسبب افشاء سرها أحد العسكريين لسلطات عارف.
والمفاجأة حينما راجعتُ مدير وكالة الانباء العميد دريد الدملوجي رفض عودتي الى الدائرة التي سحبت يدي عند الاعتقال والمفروض قانونا فك اليد كما يسمى واعادتي الى العمل، رغما ان الامن العامة برأتني ومئات آخرين من تهمة الاشتراك بمحاولة أغتيال الرئيس عبد السلام عارف.
 وعندها إتصلت بمدير عام مؤسسة الاذاعة والتلفزيون المرحوم عبد اللطيف الكمالي – ابو وفاء – شقيق شفيق الكمالي الذي يعرفني  وأخبرته برفض الدملوجي لعودتي. فقال لي بعد عشر دقائق إرجع الى الدملوجي. وفعلاً رجعتُ وأصدر أمر عودتي للعمل وصرفوا لي رواتب ثلاثة اشهر  .
والمرة الثالثة التي إعتقلت فيها، كان في شباط 1966 وصادف في ذلك الشهر  رمضان. وقبل الإفطار إتصل بي   معاون المديرالمرحوم أحمد فوزي عبد الجبار وقال لي أن عناصر من الأمن جاءت الى الوكالة تسأل عنك. وبالفعل بعد ان تناولت الفطور  تهيأتُ لذلك وإرتديت الملابس الشتوية والقبوط  وتوجهت نحو الوكالة، حيث  حضر ( زائر الليل) رجل الامن   واقتادني الى مركز شرطى الصالحية . ومن ثم الى دائرة الامن العامة، القسم الانفرادي، عرفت هناك  أنني متهم مع عدد آخر من الرفاق البعثيين الذين سبقوني في الاعتقال  باغتيال ضابط الأمن المصلاوي عزالدين لافي . ومن بين الرفاق الذين اتذكرهم المرحوم  حسين السامرائي الموظف في السينما والمسرح والمرحوم ورشيد شاكر ياسين الموظف في الاذاعة والتلفزيون  والمرحوم صالح السلامي والمرحوم  وجبار جاسم المحاسب في الاذاعة والتلفزيون والمرحوم عبد الجبار الحكيم.
ونحن في الامن العامة جاءنا مفوض  وقال لنا قضيتكم اصبحت سهلة فقد اكتشفنا وكرا لحزب البعث واعتقلنا من فيه . وفعلا علمنا ان المعتقلين من قيادات حزب البعث وهم المرحوم شفيق الكمالي وصفاء محمد علي الملقب بصفاء عنجوز والمرحوم فالح السامرائي وياس الدوري. وكنا نسمع ليلا صراخ المعتقلين من التعذيب. وذات يوم دخل علينا احد افراد الشرطة في الغرفة الصغيرة وقال لي  اخرج وادخل الغرفة التي بجانبها ووضعوا فيها شفيق الكمالي الذي اعرفه ودائما يزورنا في البيت منذ ما قبل ثورة 14 تموز . والذي طلب مني بطانية اذ كان شهر شباط باردا كالعادة وتركوه على الارض وكلها اسمنت دون فرش واعطيته بطانية. وبعد فترة سلمني رسالة صغيرة وقال حينما تأتي عائلتك للمواجهة سلمهم الرسالة ليوصلوها الى احمد حسن البكر او الدكتور احمد عبد الستار الجواري . وفعلاوضعتها في (| التجة مال البيجاما) وفي وقت المواجهة جاء شقيقي الاصغر زهير واخبرته عن الرسالة داخل البيجاما التي اعطيته اياها لتبديلها باخرى في الزيارة القادمة. وبالفعل علمت ان شقيقتي هند مع زوجة شفيق المرحومة سامية قدوري اوصلوها الى الدكتور الجواري في العطيفية واوصلها بدوره الى المرحوم احمد حسن البكر. وبعد خروجي زارنا المرحوم المناضل حسين محمود السامرائي – ابو بشار- واخبرني انه جاء مرسلا من البكر ليستفسر عن اوضاع واحوال المعتقلين واخبرته بالتعذيب البشع من قبل ضابط الامن الجديد خلفا لعز الدين لافي واسمه هادي نجم .الذي كان يقول ان كل واحد احقق معه اتصور سوف يقتلني وتصوروا ماذا افعل به.
قيم الموضوع
(1 تصويت)
سيف الدوري

صحفي عراقي

مؤرخ وكاتب