ardanlendeelitkufaruessvtr

أسئلة التصعيد في غزة وخلفياته

بقلم عدلي صادق تشرين2/نوفمبر 14, 2018 41

أسئلة التصعيد في غزة وخلفياته
التصعيد في غزة جاء مفاجئا وناشئا عن اعتبارات الصلف الإسرائيلي وعنصر الغرور والاستقواء ورفض التهدئة التي لا تترافق مع براهين الرضوخ.
إسرائيل أفسدت مناخ التهدئة
حتى كتابة هذه السطور، يستمر القصف الجوي لأهداف في قطاع غزة، في سياق التصعيد الفجائي، الذي أشعلته عملية التوغل شرقي خان يونس، لمجموعة من وحدات خاصة، بهدف اغتيال قيادات من حركة حماس يوم 10 نوفمبر. وكان فشل العملية، سببا رئيسا في عودة إسرائيل إلى القصف من الجو، وكان واضحا أن مسؤولية العودة إلى التصعيد، تقع على عاتق الطرف الإسرائيلي، الذي أفسد مناخ التهدئة.
ففضلا عن الاعتبارات الميدانية والعامل النفسي المتعلق بجيش الاحتلال وحساباته، هناك العامل السياسي الداخلي الإسرائيلي وما فيه من المزايدات والمناقصات، التي غلب عليها عنصر التعيير لحكومة بنيامين نتنياهو لكونها سمحت بنقل الوقود لتشغيل محطة توليد الكهرباء في قطاع غزة، وسماحها بنقل 15 مليون دولار قطرية حملها ممثل الدوحة في حقائب ودخل بها إلى قطاع غزة، إذ اعتبرت القوى التي تقف على أقصى يمين حكومة نتنياهو، وبعضها مشارك في هذه الحكومة نفسها؛ أن هذه الخطوة تمثل رضوخا لحماس.
لذا وجدت قيادة جيش الاحتلال نفسها معنيّة بتطيير رسالة إلى الداخل العبري مفادها أن إسهام الحكومة في التخفيف من تدابير خنق غزة وبؤسها، والسماح بنقل الدولارات الإغاثية، إنما هو في إطار جني ثمار الحصار الطويل، وتغيير حسابات الغزيين بعد أن يشعروا بحلاوة التسهيلات وفتح طرق الإمداد، فلا يغامرون بعدئذٍ بأي عمل عنفي حتى وإن كان في معرض الدفاع عن النفس، كلما قام الطرف الإسرائيلي بعمل موضعي محدود، قصفا أو اغتيالا.
    هناك ما يعيب في موقف الذين يرون القصف الفلسطيني والنيران الجوابية، ولا يرون القصف الضاري بالطائرات التي صنعت للحروب بين الجيوش
وفي سياق هذا التدبير راهن الإسرائيليون على تغليب عوامل الحياة الطبيعية لدى الرأي الشعبي العام للفلسطينيين في غزة. وبحكم أن حكومة نتنياهو معنية قبل أي شيء آخر، بعنصر الرضوخ الذي تطبقه في الضفة الفلسطينية، وهي أصلا، في منهجيتها السياسية، تطبق مبدأ ما يُسمى “السلام الاقتصادي” وهو في مفهومها الهدوء مقابل إتاحة الحياة الطبيعية للفلسطينيين.
وفي عجلة من أمرها، وبرعونة برهنت عليها النتائج، دفعت إسرائيل بمجموعة من قوات مشاة النخبة، إلى شرقي خان يونس بسيارة مدنية، لكي تغتال عددا من قيادات حماس الميدانية أو الشخصيات العاملة على المستوى التعبوي، والهدف هو تكريس معنى إخضاع غزة والمقاومة فيها وأن ذراع إسرائيل العسكرية لا تزال طليقة وأن التسهيلات لم تكن رضوخا لغزة ولحماس.
وفي ثنايا هذا المنحى، ثمة ألغاز أو أسئلة تتعلق بالشطر الإغاثي، لا سيما بالدولارات القطرية التي حُملت إلى غزة في حقائب. فلماذا تم تحييد المصارف والنظام النقدي وجرى الحمل بالحقائب، على غرار ما يحدث بعد مقاطعة الإقليم والعالم لحكومة حماس بعد انقلابها على النظام الفلسطيني في العام 2007؟ وهل كان هذا الإجراء في أواخر العام 2018 للتأكيد على أن غزة منطقة منكوبة، تعطّلت فيها، بفعل فاعلين، كل منظومة الخدمات بما فيها الخدمات المصرفية الموصولة بالنظام النقدي العالمي؟
ولماذا لم تفكر قطر، التي أقنعت إسرائيل بخطوة فاقعة كهذه، وهي دخول ممثلها من نقطة العبور إلى غزة بسيارة محملة بالدولارات أحاط بها عند دخولها عدد من البؤساء المتواجدين في المكان، وقذفوا السيارة بالحجارة وكان الممثل القطري كمن يهرب بسيارته إلى الأمام؟
وهل اصطدم القطريون باعتراضات سلطة النقد الفلسطينية فاضطروا إلى تحييد المصارف في قطاع غزة وتكليف البريد ومراكز للصيارفة بتوزيع بعض متأخرات الرواتب على عناصر حماس؟ وإن كان الأمر كذلك، ألا يعلم القطريون أن إسرائيل التي أقنعوها بنقل الدولارات في حقائب، هي من يسيطر على المعاملات المصرفية في الأراضي المحتلة، وليس لسلطة النقد سوى هامش المعاملات الإجرائية، فلماذا لم يكن الإقناع بتدبير طبيعي يتمثل في تحويل المساعدة إلى البنوك؟
    قيادة جيش الاحتلال وجدت نفسها معنيّة بتطيير رسالة إلى الداخل العبري مفادها أن إسهام الحكومة في التخفيف من تدابير خنق غزة وبؤسها، والسماح بنقل الدولارات الإغاثية، إنما هو في إطار جني ثمار الحصار الطويل
كان هناك تسريب، في سياق الحديث عن “عقوبات أخرى” يريد رئيس السلطة الفلسطينية فرضها على غزة، يتعلق باحتمالات وقف عمل النظام المصرفي في قطاع غزة، ونفهم من ذلك، أن هذه “العقوبة” هي من ضمن “العقوبات” التي مارس المصريون ضغوطهم على رئيس السلطة الفلسطينية لكي لا يذهب إليها. ورأت إسرائيل وفق حساباتها الأمنية، أن هكذا خطوات تؤثر سلبا عليها، وربما تكون رفضت مثل هذا التوجه من عباس، باعتباره يمس مصالح أسر تتلقى معونات من أبنائها في الخارج، ما يزيد غزة انتكابا فيرتد عليها انفجارا اجتماعيا سيضطرها إلى التوغل أكثر في الجريمة والقتل.
التصعيد في غزة، جاء مفاجئا وناشئا عن اعتبارات الصلف الإسرائيلي وعنصر الغرور والاستقواء ورفض التهدئة التي لا تترافق مع براهين الرضوخ. والمقاومون في غزة، لن يرضخوا ولن يقفوا مكتوفي الأيدي في حال أقدمت إسرائيل على الهجوم والاغتيال. ولو أنهم وقفوا مكتوفي الأيدي، فإن أسر الشهداء الضحايا، سيطالبون بالرد، مثلما حدث قبل نحو أسبوعين. وقادة إسرائيل يعرفون ذلك لكن حساباتهم الداخلية أو الحزبية دفعتهم إلى الحماقة، فدفعوا قواتهم إلى التوغل، ولما فشلت العملية وانتشلوا أنفسهم من نقطة التوغل بصعوبة مع الخسارة أصبح سبب التصعيد سببين، الضغوط الداخلية وعار الفشل. غير أن شكل التصعيد، جاء بتكرار قصف أهداف مدنية ومبان، بذريعة أن عناصر من المقاومة تتواجد فيها، وقصف مبنى قناة فضائية أخليت قبلا من العاملين فيها وإزهاق أرواح أبرياء.
في هذا السياق العدواني الفج، يتبدى العار الحقيقي لإسرائيل، وهو استخدام طائرات الحرب الحديثة الأميركية الصنع، لقصف مبان في منطقة منكوبة، ثم إن هناك ما يعيب في موقف الذين يرون القصف الفلسطيني والنيران الجوابية، ولا يرون القصف الضاري بالطائرات التي صنعت للحروب بين الجيوش، أو لا يرون إرهاب الدولة الذي يتخفى بسيارة مدنية ويتوغل لكي يقتل!
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)