ardanlendeelitkufaruessvtr

إشكالية التنظير السياسي في العراق

بقلم كريم محمود صالح تشرين2/نوفمبر 15, 2018 220
كريم محمود صالح
 
للرؤيا أبعاد هندسيّة وآفاق تشكل مداها وحدودها , سواء كانت الرؤيا على واقع الطبيعة أو ضمن مساحة التفكير والتأمل , غير أن الآيديولوجيا تقفز خلف كل الحدود وتنسج من الأشياء ما يشبه بانوراما طبيعيّة مجسمة , بإستطاعتنا القول إن الآيديولوجيات تضيف بُعدا نظريّا أقرب ما يمكن تسميته فانتيزيا حالمة بواقع مفترض يتجاوز الواقع الفاعل في مثاليّة الفكرة . لكنّ الهوّة  تفصل المسافة بين النظرية وتطبيقها ؟ الثابت في التجربة أن غالبيّة النظريات والأفكار لا تصحّ إلا على الورق , مع أن جاذبيتها تبقى فاعلة وتداعب عواطف البشر. عمليّا يُعزى فشل الكثير من النظريات السياسية الى طوباويتها أو شحة الإمكانات العمليّة في تنفيذها وقصور الإنسجام مع محيطها , ذلك أن العالم  كأي جسم لديه جهاز مناعة لا يتقبل غريب  يشكل خطرا عليه , مع عوامل أخرى سوف نتناول بعض منها في هذه المقالة المبسطة .. أن نشوء الدول يعتمد على مقومات أساسيّة لابد من توفرها ( مساحة جغرافية محددة , جماعة بشريّة متعايشة , قوة عسكرية وإقتصادية , نظام حُكم عام ) المعلوم تاريخيا تختلف الدول في طبيعة وأنواع الأنظمة الحاكمة والسياسة ؟  غير أنها جميعا لا تتجرد عن عقد إجتماعي ينظم العلاقة والتعامل بين الحاكم والمحكوم سواء كان العقد عُرفيّا طبيعيّا أو موثقا بموجب اتفاق مبرم . غالبيّة الذين أقحموا عقولهم في التنظير لإيجاد عقد إجتماعي مثالي قد تجاهلوا حقيقة تشكله ونموّه وتطوره طبيعيّا بين الشعوب والأمم , بل أن هذا العقد يبقى ساريا حتى مع انهيار الدولة كما حدث ذلك في العراق بعد غزو التحالف الأمريكي , إذ بقي المجتمع العراقي متماسكا متعايشا بسلام ولم تخرق نسيجه سوى جرائم العدوان  والأجندات المرتبطة معه في هدف تدمير نسيجه الوطني . الى اليوم فشلت جميع محاولات تغيير وجه العراق مع كل الدمار الذي حاق في معالمه العمرانية والبشريّة , ولم تنجح أجندة الاحتلال في إرساء نظام دولة يمكنها تحقيق الاستقرار لتجنح الى عملية البناء الشاملة وحفظ الأمن مع صيانة وحدة العراق , هذا إذا افترضنا وجود نوايا صادقة طبعا . الفساد الشامل ليس عارضا طارئا ومعطلا لنجاح التجربة السياسية , إنما هو سلاح من أسلحة الاحتلال إضافة الى الإرهاب في كل أشكاله , بدون ذلك لا يمكن بأي حال أن يحقق العدوان أهدافه الإستراتيجية , وإلا تحت أية مبررات يمكن لأمريكا أن تُبقي قواعدها العسكرية وتبقى شركاتها تستنزف موارد العراق الطبيعية ؟ بالإضافة للخوف من قيام دولة العراق القويّة التي تهدد كل الأنظمة المساهمة في العدوان عليه , أجزم ليس من صالح غالبية دول جوار العراق بأن يستقر ويبني دولته الوطنيّة المستقلة . لا يوجد إنسان عاقل يمكنه القبول أن يلبس ثوبا باليا مرقعا ومتسخا , فكيف يمكن لشعب عريق يفخر بنسيج حضاري تاريخي مثل تاريخ العراق أن يُفصّل له نظام طائفي مرقع ومتسخ بالنفايات الأجنبية ؟  إن من يتصوّر التنوّع العرقي والإثني عامل ضعف اجتماعي هو قاصر عن إدراك مقومات البناء الثقافي والحضاري الوطني . اللذين يريدون عراقا إسلاميّا يجحدون الأديان الأخرى ثم لن يسلموا من إشكالية تعريف إسلامهم طائفيّا ومذهبيّا , واللذين يريدون عراقا عربيّا عليهم أن لا يبخسوا حق الأكراد في قيام دولة قوميّة تجمعهم , تناقضات أخرى كثيرة لا يتسع المجال لسردها على صعيد تحديد الهويّة أو مفاهيم نظام الحُكم . لكن نتساءل , ما هي أهميّة الإنتماء الطائفي لطبيب متمكن في مجال وظيفته أو المهندس في عمله وكل المجالات الأخرى ؟ وما هي علاقة السيادة الوطنية بإثنيّة وانتماء من يتصدر تمثيلها دوليّا ؟ الأعراق والقبائل والطوائف والمذاهب ليست مؤسسات دولة , واقحام هذه الإنتماءات أو إعتمادها كمعيار في مؤهلات رجال الدولة سوف يسيء لقدرها ومكانتها الإجتماعيّة  , تماما مثلما يسيء التاجر والبائع عندما يضع يافطة بمسمّى نسبه العشائري ليروّج بيع بضاعة رخيصة . قطعا كانت إساءة الأحزاب الإسلامية للإسلام  فادحة بعد أن تمرغوا بالفساد والفشل , وكذلك اللذين تاجروا سياسيا بالقبيلة ولطخوا سمعتها  بوساخة ما إقترفت أيديهم . إجمالا , يستوجب وضع كل شيء في سياقه الصحيح المناسب لكي تسير العجلة على سكة السلام والأمان والازدهار , أمام مبدأ سيادة القانون يتساوى أفراد المجتمع بدون إمتياز لأي شريحة أو مكوّن تحت مضلة دولة ضامنة لحقوق الإنسان وتحافظ على أمن مواطنيها وحريّتهم . وما يتبقى من شعارات وإعلانات مجرّد تسويق سياسي لا يُغني ولا يُسمن من جوع . 
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)