ardanlendeelitkufaruessvtr

أين نعلّق صورنا الشخصية

بقلم يمينة حمدي تشرين2/نوفمبر 30, 2018 224

أين نعلّق صورنا الشخصية
أعتقد أن الصور الشخصية لها ارتباط مباشر بهوياتنا وسلوكياتنا وخصوصياتنا، ولذلك علينا قبل تدويلها على مواقع التواصل الاجتماعي أن نفكّر مليّا في ما إذا كان نشرها سيسعدنا أم سيحرجنا ويجلب لنا وللمقربين منا المشاكل.
المناسبات الخاصة أصبحت متاحة على نطاق عالمي
الصورة الفوتوغرافية كائن حيّ، يستمد أنفاسه من عبق ذكرياتنا الملونة بأحاسيسنا الوجدانية، ولذلك فهي لديها قدرة مذهلة على توجيه دفة مشاعرنا وتهدئة صخب انفعالاتنا حينما نتأملها، ونسرح بخيالنا إلى زمن انتهى، لكنه مازال يلهمنا السعادة في الحاضر.
أجمل ما في صورنا الشخصية أنها تمسّ وترا إنسانيا حساسا يتعلق بمدى تقديرنا لأنفسنا وللأشخاص الذين نحبهم وتربطنا بهم علاقة وطيدة، وجميعها أمور في غاية الأهمية، لأنها تساعدنا على تنمية الرابطة العاطفية بيننا وبين الأشخاص المقربين منا، وتخلق لدينا توازنا نفسيا يشعرنا بالثقة والأمان.
قد تؤدي البعض من الصور أحيانا إلى حدوث رد فعل حزين أو مؤلم عند رؤيتها في بداية الأمر، إلا أنها قد تربط أصحابها بذكريات الحب الجميلة التي كانوا يتشاركونها مع محبيهم. وقد تمنحهم تلك الذكريات شعورا بالراحة رغم مرارة الفراق.
وقد أدركت الأبحاث المتوافرة دور الصورة الرئيسي في التحكم الشعوري عموما لدى عامة الناس، فالنظر مثلا إلى صورة المحب المعلقة في أرجاء المنزل قد تساعد البعض على الاسترخاء، وربما كان الدواء لقلب كسير أو عقل تائه إلقاء نظرة على صورة محبّبة فتعيده إلى الزمن الجميل ليحياه من جديد.
مع أنني وإخوتي فقدنا جدتنا منذ عدة أعوام، إلا أن صورتنا معها مازالت تعتبر مصدرا للارتياح لنا، فهي تذكرنا بطفولتنا وبأحضان جدتنا الدافئة.
ذاكرة البشر لا تشبه المعلومات المدونة على قرص مدمج، حيث بإمكان كل شخص وبسهولة استرجاع أي حدث من الماضي تماما كما لو أنه حصل اليوم، كما أن سردنا للذكريات قد يختلف في كل مرة نستذكر فيها ذكرى طواها الزمن ونتحدث عنها، لكن حينما نعود للصور، فإنها تغنينا عن الآلاف من الكلمات، لأنها قادرة على اختزال جميع تفاصيل الذكريات. لذلك فالصور تعد من أثمن الأشياء التي يمكن أن يورّثها الآباء للأبناء، فبإمكانها أن توحي لهم بالكثير من الذكريات خلال مراحل أعمارهم اللاحقة، مما سيشعرهم بالسعادة ويعطي لحياتهم معنى، وكلما كانت تلك الصور معبّرة وحاضرة أمام أعينهم أثناء طفولتهم، حُفِظت تلك الذكريات في أدمغتهم بطريقة خفية وأبدية.
لكن السؤال الذي لا يبرح ذهني هو: أين نعلّق صورنا الشخصية لنتيح لنا وللأبناء رؤيتها والاستمتاع الحسي بذكريات الماضي حتى نتجاوز مآسي وعقبات الحاضر؟
في الماضي كانت هناك خشية لدى عامة الناس من أن يطلع البعض على صورهم الخاصة، بسبب الخوف من الحسد والغيرة أو وقوع إحداها في أيدي شخص سيء فيستغلها في أعمال السحر والشعوذة، ولذلك ففي الغالب يختار الكثيرون مكانا بعيدا عن أعين الغرباء والمتطفلين لتعليقها في منازلهم أو الاحتفاظ بها في صندوق أسرارهم، أما في عصرنا الحالي فقد فقدت الصور الشخصية خصوصياتها، ووصل الأمر إلى حد إفراط البعض وبإرادتهم في نشر صورهم على مواقع التواصل، بدءا من اللحظات الحميمية التي يتم تداولها بين الأصدقاء وأفراد العائلة، وصولا إلى المناسبات الخاصة التي أصبحت متاحة على نطاق عالمي.
جميعنا كبشر، في حاجة إلى مساحة خاصة نخفي فيها أسرارنا وآمالنا وصورنا بعيدا عن الآخرين، لكن تزايد اعتمادنا على أجهزتنا الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي قد أضفى على بعضنا نوعا من عدم الاكتراث وأصبحنا لا نقيم فرقا بين الأشياء العامة والخاصة.
ولكني أعتقد أن الصور الشخصية لها ارتباط مباشر بهوياتنا وسلوكياتنا وخصوصياتنا، ولذلك علينا قبل تدويلها على مواقع التواصل الاجتماعي أن نفكّر مليّا في ما إذا كان نشرها سيسعدنا أم سيحرجنا ويجلب لنا وللمقربين منا المشاكل، وفي حال كنا غير واثقين من النتائج فمن الأفضل عدم نشرها.
صحافية تونسية مقيمة في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)