ardanlendeelitkufaruessvtr

حديث الخميس: هانوڤر مدينة الرقي/٢

حسان الحديثي 
 
غادرت سيارة الاجرة فوقفت امامي مضيفتي مبتسمةً ومشيرةً بيدها تدعوني بالدخول لتأخذني في جولة سريعة في بيتها الأنيق ثم لتنتهي بي الى الغرفة المخصصة لي.
منذ اللحظة الاولى التي عبرتُ بها عتبةَ باب البيت الى الداخل ادركت ان هذا البيت مميز، فلقد بدت عليه بصمات الترتيب والتنسيق في كل زواياه وأروقته، اشعرتني كلُّ تفصيلة فيه بالدفء والمحبّة؛ من الوان السجاد التي غطت الارض تماماً، الى اللوحات والزهريات التي دلّتْ على ذوق هادئ يميل الى التراث والتليد من الاشياء، بل وحتى اللون الوردي المطفأ الغالب على جدران البيت كان اختياراً رائعاً فقد بعث في نفسي شعوراً بالتفائل والارتياح،
لكنه كان بيتاً مليئاً بالكتب التي ملأت رفوف مكتباتها ثم فاضت فاحتاجت لتثبيت رفوف اضافية في أعلى جُدُرِ صالتي الجلوس والاستقبال.
لم يكن وقتي يسمح بالحديث معها كثيرا وقد تجاوز الوقت منتصف النهار فما ان وضعت حقيبتي ورتبت ملابسي حتى انطلقت الى ارض المعرض لقضاء يوم متعب متنقلاً بين اجنحته الكثيرة والكبيرة ثم تلاه ذلك عشاء عمل لكن عيني -رغم كل ذلك- لا تغفلان عن ملاحظة الوقت خوفاً من أن يدركني واتأخر بالعودة فأتسبب بإزعاج السيدة في الرجوع متأخراً. 
كانت عقارب الساعة تقترب من العاشرة مساء حين ضغطت باصبعي المتجمدِ زرَّ جرس الباب عائداً، ضغطته باستحياء ووجلٍ وأنا مقبل لقضاء ليلة في بيت غريب عني في كل شيء ونفسي تحدثني: هل كان من الحكمة ان اكون هنا في هذا المكان في هذا الوقت من الليل؟ أم كان عليَّ العودة الى فرانكفورت والغاء فكرة حضور المعرض؟
 كانت الافكار تتزاحم برأسي مسرعة حين فُتِح البابُ وأطلّت منه السيدة سوگمان مبتسمةً وقائلة:
-اهلا بعودتك، أدخل بسرعة فدرجة الحرارة في الخارج قد تعدتْ الصفرَ نزولاً، وكل شي قد تجمد أو كاد.
- هل ترغب بكوب من القهوة الطازجة؟ فقد أعددتها للتو
لم استطع اخفاء ارتباكي وتعثري 
- تفضل بالجلوس وساحضر لك القهوة ... قالتها لي تحاول تخفيف الحرج الذي ما ينفكُّ يلازمني
جلستُ بارتباك وقلق وكأنني في صالة مشفى للخضوع لعملية جراحية أو بانتظار دوري في مقابلة للحصول على وظيفة صعبة. 
لم تغب السيدة اكثر من ثلاث دقائق حتى أقبلت وهي تحمل صينيةً صغيرةً فيها كوب من القهوة وصحن من قطع الكعك المحلى والشوكولاتة.
- ليل الشتاء طويل وبارد نستعين عليه بالقهوة الحارة والسكريات التي تعطي بعض الطاقة.. قالتها بضحكة تحاول ان تزيح بها ارتباكي وقلقي البائنين .
- شكرا لك سيدتي، قلتها وانا اتناول منها الصينية بكفين مرتجفتين، لم اميز سبب ارتجافهما أكان برد هانوڤر أم ارتباك الغريب، او لعل السبب هو شخصية هذه السيدة التي تملأ المكان.
 
تناولت قهوتي وما هي الا لحظات حتى خيّم السكوت علينا إلا من اصوات ارتشاف قهوتنيا الحارّتين لكن عينيّ السيدة التي تختزن أسئلة كثيرة لا تكاد تتركني لحظةً واحدةً.
- هل وصلت المانيا قادما من العراق؟ حدثني عن العراق فأنا اعرف عن بلدك الكثير رغم اني لم ازره في حياتي... قالتها كاسرةً صخرة السكون التي حطّت على المكان
- لا يا سيدتي قدمتُ من الامارات العربية فأنا اعمل في دبي منذ عدة سنوات، ولكن اخبريني انتِ: ماذا تعرفين عن العراق؟ ولماذا العراق تحديداً؟ وما الذي استهواك في بلدي؟
قلتها باندهاش وفضول كبيرين 
 - زوجي الذي غادر الحياة منذ سنة كان استاذاً جامعياً متخصصاً بالتأريخ القديم لحضارة ما بين النهرين ومحباً له، وقد سافر الى بلدك مرات عديدة وحصل في تخصصه على اعلى الشهادات ، انظر الى هذه الكتب التي تملأ البيت، جلُّها عن العراق وحضارته والدول التي تناوبت على حكمه قبل الاسلام وبعده.
يا الهي، كم انا محظوظ ان اكون في هذا المكان من الارض وقد احاطتني اخبار بلدي من كل جانب قلتها وانا لا اكاد اصدق ما اسمع.
قامت وتناولت بعض الكتب وبدأت تريني فيها صورا وتشرح لي شيئا عن "ميسوپوتاميا" وتترجم لي مقتطفات من هذه الكتب المكتوبة باللغة الالمانية والمعززة بالصور التي ألِفتها عن بلادي منذ الصغر.
كان احساسي خليط من الاندهاش والتعجب؛ الاندهاش مما انا فيه والتعجب من عمل الصدفة وتدابير القدر.
- كم هي صغيرة هذه الدنيا يا سيدتي...  قلت لها ، فلن يخطر ببالي ساعة -ولو عشت مئة عام- ان ارى وأسمع ما قد رأيت وسمعت من للتو.
ولكن يا سيدتي لقد تبدل الحال ولم يعد العراق كما كان فقد عاثت به الة الحرب فساداً وعبثت به ايدي الغزاة وآكف الكارهين ، وبدأت أقص عليها ما يدور في البلاد من انقسام بين اهله بعد أن زُرعت بذرة التفرقة والفتنة حتى أدارت الحربُ عليه رحاها بعد غزو الأوباش القادمين من وراء حدوده ومن خلف عاليات البحار.
- لم يعد الأب -يا سيدتي- يأمن على ولده في الذهاب الى المدرسة ولم تعد الأم واثقة من عودة زوجها وهي تودعه صباحاً الى العمل. كنت اقصّ عليها حال البلاد بشفتين مرتجفتين وقلب يزداد وجيبه حتى رأيت الدموع تملأ محجريّ عينيها فأشفقت عليها وعلى نفسي فسكت.
بدأت السيدة ببكاء صامت وخيم على وجهها وعلى المكان حزن نبيل، وأنا أسأل نفسي ما الذي يُبكي هذه السيدة؟ هل من المعقول انها تبكي بلدي الذي لم تره ولا يمثل لها شيئاً؟
عندها قالت لي مبررةً انها تشعر بما يجري في بلدي اكثر من غيرها، سكتت لثوان ثم قالت حاكيةً لي عن حالها:
- كانت ولادتي في العام ١٩٤٩ وهو العام الذي تشكلت فيه دولة المانيا الاتحادية بعد انهيار الجيش الالماني في الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥ ثم تلا ذلك الاحتلال الامريكي البريطاني الفرنسي لبلدي دام الاحتلال اربع سنوات فعل فيه المحتلون بنا الافاعيل. لقد حدثتني أمي عن مآسيها وكيف فقدت أباها واخوتها في الحرب فعاشت بعدهم وحيدة حزينة بائسة لم تهنأ بشيء حتى وفاتها، لقد ذاق الالمان ويلاتٍ وحروباً من نفس الدول التي دخلت بلدكم لأجل ذلك كان الالمان من معارضي غزو بلدكم.
اشعرتني هذه السيدة بعاطفة انسانية نبيلة وأحسست انها تعرف عن بلدي ما يجعلني اتحدث اليها بدون الحاجة الى الكثير من الشرح والتفصيل والايضاح.
حاولت ان اغير الموضوع فسألتها عن صورة الشاب التي تزين زاوية الصالة ، فابتسمت ابتسامة فيها حنين واشتياق وقالت:
هذه صور ولدي "اليكس" الذي يدرس الطب في برلين ، بالمناسبة سيصل غداً في إجازة لعدة أيام ستتعرف عليه وتحبه لأنه شاب ذكي وطيب، انه البقية المتبقية لي من عائلتي بعد ان رحل أبي تبعته امي ثم زوجي. قالت تلك الجملة بشيء من الحزن عليهم وبكثير من الأمل والفخر بابنها طبيب المستقبل.
استأذنت منها ودخلت غرفتي وخلدت لنوم عميق بعد يوم حافل بالمتغيرات والمفاجآت، وحين رن جرس المنبه صباحاً اخذت حماما دافئا وغيرت ملابسي استعدادا للخروج فكنت على موعد مع فطور صباحي غني من يدي سيدة كريمة، تناولت فطوري على استحياء وما ان اكملت كوب الشاي حتى وجدت السيدة واقفة بكامل اناقتها تقول لي: ساوصلك بسيارتي الى ارض المعرض فعملي قريب منه
- لم اكن اعلم انك تعملين سيدتي!!! قلتها باستفهام
- انا متخصصة بالنقش على الأحجار الكريمة التي تزين الحلي من خواتم وقلائد، عملي دقيق جداً ويتم تحت عدسات مكبرة ويحتاج مني الكثير من التركيز لان الخطأ فيه يتلف احجاراً غالية الثمن لهذا فانا لا اعمل اكثر من ابع ساعات في اليوم.
نعم نعم لابد لهذه السيدة ان تعمل عملا يليق بها وبذوقها ، قلت في نفسي.
 
أوصلتني الى المعرض وذهبت هي في طريقها الى عملها وانا بدأت يوما جديدا في التنقل بين قاعات المعرض ورؤية الاجهزة والابتكارات الجديدة التي تحاول الشركات المصنعة تسويقها بالتعريف على خصائصها وكفاءاتها واسعارها، حاولت في ذلك اليوم ان اتحرر من اي التزام مسائي لمقابلة اليكس ابن مضيفتي وفعلا كنت في البيت على المساء لاقابل شابا وسيما تكاد عيناه تلمعان فطنةً وتنطقان ذكاءً يتحدث ويتصرف بإدب بالغ، لقد اعجبت بهذا الفتى اعجاباً كبيراً وقضيت معه مساءً جميلاً وهو يحدثني عن حياة الطب وتعب الدراسة وجدية التدريس في هذا البلد المتقدم في كل شيء، حتى لم اعد اقوى على فتحي اجفاني من غلبة النعاس فخلدت الى نوم عميق لقضاء ليلة ثانية في الديار البعيدة.
في صباح اليوم التالي كنت مع مضيفتي وابنها الجميل على الفطور وقد فتحتِ السيدةُ كل ستائر البيت طمعاً بشعاع الشمس التي بانت ذلك اليوم على استحياء فما تكاد تبين حتى تعود وتحتجب بين الغيوم مرة وكأنها ابنة خدر ، فاليوم المشمس في آوروبا هو يوم مميز للاوروبين اذ ربما مرت الايام والاسابيع ولم ير الناس فيها ضوءاً لشمس
اخبرتني السيدة انها ستعد عشاءً لهذه الليلة لنا جميعاً لانها ستكون الليلة الاخيرة لي في بيتها.
- هذا كرم كبير منك سيدتي لست مضطرة عليه ..قلت لها
لا عليك فأنا سعيدة بقدوم اليكس من برلين ايضاً قالتها بترحاب بائن وهي تلبس معطفها وتتهيأ للخروج
اقلتني مرة اخرى الى ارض المعرض وذهبتْ في حال سبيلها، كنت اشعر بسعادة وارتياح كبيرين وانا اتجول في المعرض هذا اليوم للألفة والطيبة التي تركَتها في نفسي هذه المدينة الجميلة وهذه العائلة الصغيرة حتى اني احببت لو انقضى النهار بسرعة وتسارعت ساعاته كي اعود واجتمع بمضيفتي وابنها فكنت اعد الدقائق لاجتماعنا المسائي المرتقب.
لم استطع الانتظار فخرجت الى سوق المدينة لشراء هديتين تليق بالسيدة وابنها لاقدمهما لهما على العشاء شكراً وعرفاناً بكرمهما.
في السابعة مساء كنت على الموعد واقفا عند باب الدار وما فُتح الباب اذا انا امام مفاجأة غير متوقعة ، فالفتاة الجميلة التي تعمل على كاونتر خدمة العملاء والتي قامت بترتيب سكني مع السيدة سوگمان جالسة امامي في صالة المنزل.
- ياللدهشة، مالذي اتى بكِ الى هنا ؟ سألت الفتاة بفضول كبير
- اجابتني بابتسامة عريضة: السيدة سوكمان هي عمتي، وهي في العادة لا تستقبل ضيوفا في بيتها وقد اوصتني انها ستقبل ضيفاً بمواصفات معينة وقد توسمت فيك ان تكون النزيل المناسب في بيتها، وقد كان....
فقد اخبرتني عمتي انها سعيدة باستضافتها لك في بيتها الجميل.
لقد كانت مفاجأة اخرى رائعة حقاً وتجربة من أجمل التجارب التي مرت علي في حياتي وقلت لنفسي ساعاتها ساكتبها يوما ليقرأها الناس 
انهينا العشاء وقضينا امسية جميلة وقضيت ساعات في فراشي تلك الليلة افكر في التقدير والتدبير اللذَين اصاباني في سفرتي هذه وكيف تحول الامر من قلق في ارض المحطة الى ثلاثة ايام لا تنقصها الراحة والاطمئنان.
أوصلتني السيدة وابنها اليكس في صباح اليوم التالي والاخير الى محطة القطار، ثم ودعتني وذهبت هي وبقي معي ابنها اللطيف في المحطة حتى اوصلني الى رصيف المغادرة وهو لا يفتأ يساعدني في كل شيء حتى وضع حقيبتي في داخل القطار المتجه الى فرانكفورت وسلم علي بحرارة ثم نزل ووقف على رصيف المحطة قلت له: تستطيع ان تعود الآن يا اليكس فانا بخير وسينطلق القطار بعد دقائق
أجابني بابتسامته العفوية: اخبرتني امي ان لا اتركك حتى يغادر القطار.
يا الهي كم يحمل هذا الشاب اليافع من حسن الادب ...قلت لنفسي
كانت هذه الجملة آخر ما سمعته من اليكس عندما بدأ القطار بالتحرك ببطء حتى غاب عني وهو لا يزال واقفا على رصيف المحطة.
 
قلت لنفسي والقطار يتسارع مسابقاً الريح نحو فرانكفورت: لم يخب ظني فالجمال جدير بالفأل الحسن
 
الصورة من الجو لمحطة قطار هانوفر
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
حسان الحديثي

عراقي من مواليد مدينة حديثه/العراق ويعيش حالياً في المملكة المتحدة
كاتب وباحث ودارس في ألادب العربي وتاريخه
يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية
له مخطوطتان تحت الطبع هما ” حديث الخميس ” ، ” والسياب شاعر الانسانية الاكبر ”