ardanlendeelitkufaruessvtr

ساعي البريد لن يقرع الجرس مرة ثالثة

ساعي البريد لن يقرع الجرس مرة ثالثة
إبراهيم الجبين
من مطبخك يمكنك أن تفهم ما يبحث عنه من يفكرون في الغد. وأي ربة منزل تعرف ما يسمى بـ“تأثير ليدن فروست”، أكثر من جميع النخب العربية.
الإنسان سيبقى في المستقبل، حتى لو بقي مستنسخا
الإنسان كائن مستقبلي دون نقاش. فهو الكائن الوحيد الذي يعي وجوده ويعيه وجودا زمانيا. ووعيه وجوده الزماني وعي لماض وحاضر ومستقبل. والتاريخ هو تحقيق الإنسان في الزمان والمكان. التاريخ هو صيرورة خلاقة متجددة. أما الماضي والحاضر فهما الحركة الموصلة إلى المستقبل.
هكذا كتب المفكر حسن صعب في كتابه “المقاربة المستقبلية للإنماء العربي”. وحقيقة كهذه “الإنسان كائن مستقبلي” تبدو كخبر سيء بالنسبة لتجار الماضي الذين لا يريدون أن يعلم أحد بأن مصيره سيكون في الغد وليس قبل مئات وآلاف السنين.
كان صعب يبني نظرياته كلها على أساس لا يجب أن يجري حوله جدال، وهو أن “الإنسان هو وحده غاية الإنماء ورأسماله الأول”. وهذا ما لا يجب نسيانه، طيلة مسار العمل التنموي سواء في الفكر أو السياسة أو الاقتصاد أو التكنولوجيا أو حتى قيادة الجيوش. وذاك أيضا خبر سيء ثان لمن يعتقد أن الإنسان مجرد أداة لتحقيق الأغراض المنشودة، فتلك الأغراض مهما طال مسارها سوف تصب في النهاية في ذات الفكرة؛ “الإنسان”.
 من مطبخك يمكنك أن تفهم ما يبحث عنه من يفكرون في الغد. وأي ربة منزل تعرف ما يسمى بـ“تأثير ليدن فروست”، أكثر من جميع النخب العربية. تأثير ليدن فروست ظاهرة فيزيائية تحصل بسبب ملامسة سائل ما لسطح درجة حرارته أعلى من درجة غليان السائل الذي سيكوّن طبقة عازلة من البخار تمنعه من الغليان بسرعة، فيخلق البخار “قوة طاردة” بسببها تحوم قطرة السائل فوق السطح الساخن دون أن تلامسه. ويحدث هذا حيث نفحص حرارة المقلاة بنثر قطرات من الماء، مليارات المرات في اليوم الواحد حول العالم. وكذا الإنسان قادر مثل تلك القطرة، على العبور إلى المستقبل حتى دون أن يكون مدركا لأهمية فعله، لأن حياته على هذه الأرض تركّبت هكذا.
وقد عاد لذاكرتي عنوان رواية جيمس كاين “ساعي البريد يقرع الجرس دائما مرتين” حين قرأت تحقيقا تكنولوجيا، هذا الخريف، يتحدث عن الأشياء التي سوف تختفي من حياتنا خلال العشرين عاما القادمة، فكان من بينها “المرايا الجانبية للسيارات، جهاز التحكم عن بعد، الأوراق النقدية، الأسلاك، ساعي البريد، التوقيعات، فأرة الكومبيوتر”. أما آخر بند فكان كالتالي “أما البشر الذين لا يمكن الاستغناء عنهم، فيمكن استنساخهم جينيا".
ألم نقل أعلاه أن الإنسان سيبقى في المستقبل، حتى لو بقي مستنسخا.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)