ardanlendeelitkufaruessvtr

هل يتكرر نجيب محفوظ
حميد سعيد
نجيب محفوظ، يمثل في تاريخ الرواية العربية، ما مثلته أجيال من الروائيين في الرواية الغربية.
محفوظ اختصر ثلاثة قرون من تطور الرواية في العالم
في البدء أقول أنا من جيل قرأ نجيب محفوظ، قراءة معجب مكتشف، وقد بلغ الإعجاب ببعض القراء من أبناء جيلنا، حدَّ الانبهار به والتعصب له، مع أن الرجل لم يكن بمنأى عن النقد بتوجهاته السلبية الصادرة عن تشدد سياسي أو تطرف أيديولوجي، وما زلنا نتذكر الناقد اليساري الذي فضل عليه، وأقصد طبعاً، على أعماله الروائية، ما كتبه عبدالرحمن الشرقاوي من روايات، ومن المفارقات أن ذلك الناقد المخلص لتوجهاته اليسارية، ظل حياً حين انتهى عبدالرحمن الشرقاوي، مع احترامي وتقديري، فقد كان إنساناً رائعاً وصديقاً جميلاً، إلى الكتابة في بعض قضايا التاريخ، في الوقت الذي بلغ فيه نجيب محفوظ موقع الروائي الأكثر انتشاراً وتأثيراً وحضوراً، ومن ثم وصل إلى العالمية، من خلال الحي القاهري الذي لم يغادره فضاءً وموضوعاً.
وأذكر أنني في وقت مبكر قارنت بين الروائي وكاتب الروايات، وأعترف أن من كنت أتحدث عنه وأصفه بالروائي، هو نجيب محفوظ، بينما رأيت كثيرين غيره مجرد كتاب روايات، وتبلورت هذه الفكرة عندي في ما بعد، إذ رأيت فيه استثناء، إذ شكل وحده في كل ما كتب وما شهدت كتاباته الروائية من انتقالات وتحولات، تاريخاً روائياً، واختصرت هذه الفكرة في ما قلته، في اللقاء الثقافي الذي أقامته صحيفة الأهرام في العام 1988 لمناسبة منحه جائزة نوبل، ودعت إليه عددا من المثقفين العرب، وممن حضر ذلك اللقاء ممن وجهت إليهم الدعوة وقدموا من بغداد، عبدالوهاب البياتي وجبرا إبراهيم جبرا وفؤاد التكرلي وعبدالرحمن الربيعي والدكتور محسن الموسوي وكاتب هذه السطور.
يومها قلت: إن نجيب محفوظ، يمثل في تاريخ الرواية العربية، ما مثلته أجيال من الروائيين في الرواية الغربية، وأنه اختصر ثلاثة قرون من تطور الرواية في العالم، في ما يقرب من نصف قرن، حيث تنقل بين جميع المراحل الروائية التي عرفها النتاج الروائي العالمي وكتب فيها، وانتهى إلى تأسيس كيان روائي راسخ ومن ثم عمل على تجاوزه، فهو الكلاسيكي ونقيضه، وما زلت عند هذا الرأي، وتلك مهمة صعبة حقاً وتاريخية، تمثل إنجازاً إبداعياً كبيراً، وفي الوقت ذاته تتطلب موهبة ضخمة ووعياً استثنائياً وجَلَداً من طراز خاص، وفرصة تاريخية شديدة الخصوصية، وكل هذا توفر لنجيب محفوظ.
ومن باب الاستذكار، ليس إلا، ومن دون ادعاء، لقد أبدى اهتماماً بهذه الفكرة، وإذ كان كما قال الشاعر العربي عوف بن محلم الخزاعي وهو من شعراء العصر العباسي:
إن الثمانين وبُلّغتها    
قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
فقد كان يُنقَلُ له ما يقال، فيعلق على بعض القول ويتجاوز بعضه الآخر.
وأعود إلى ما بدأت به مقالتي، بسؤال هو: هل يتكرر نجيب محفوظ؟ ليس بمعنى أن يظهر نجيب محفوظ  جديد، يكرر نجيب محفوظ الذي عرفناه تجربة وإبداعاً، لأن مثل هذا الظهور لن يحدث، فإن حدث، فلن يتجاوز أن يكون نسخة ثانية، ونحن نعرف أن النسخة الثانية في الإبداع تكون بائرة وفائضة عن الحاجة.
إن السؤال ينصرف إلى ما مثَّل نجيب محفوظ  في تاريخ الرواية العربية التي مثلها في الغرب عدد غير قليل من الروائيين وفي زمن طويل جداً، اختصره محفوظ في الزمن الذي كتب فيه الرواية، وهل سيتكرر هذا الحال أو هذا الدور؟
لا أظن أن كل هذا يمكن أن يتكرر لأن الزمن الروائي العربي في الراهن وفي المستقبل، ليس هو الزمن الذي لعب فيه نجيب محفوظ دوره الذي أشرنا إليه، ووصفناه بالفرصة التاريخية شديدة الخصوصية.
لكن الذي أنجزه بفعل موهبته ووعيه وجَلَدِهِ، كان وسيبقى كبيراً ومهماً وتاريخياً.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)