ardanlendeelitkufaruessvtr

أنا منكم

بقلم ميموزا العراوي كانون1/ديسمبر 14, 2018 216

أنا منكم
أي نوع من الاحتجاج الفني ضد المجتمع الاستهلاكي والرأسمالي يحققه هذا العمل عندما ترتفع قيمته بشكل جنوني لحظة التمزيق والإعلان عن بيعه؟
بيعت بأغلى من سعرها بعد تمزيقها
صدر في الصحف منذ فترة أن لوحة فنان الغرافيتي البريطاني بانسكي التي تحمل اسم “الفتاة والبالون الأحمر” أو القلب الأحمر، تمزقت تلقائيا بشكل جزئي فور بيعها في مزاد أقامته دار “سوذبيز” في لندن، الذي يعد من أعرق دور المزادات في العالم، في مقابل أكثر من مليون دولار، أمام أعين الجمهور.
اللوحة هي نسخة عن الأصل للفنان، وقد انطلقت صفارة الإنذار الموضوعة على إطار اللوحة لتتوجه أنظار الجمهور إليها، ليتبين لاحقا أن هذه الأخيرة تتفتت جزئيا بفعل ساحقة ورق مخبأة في إطار ذهبي كثيف، وبات الإطار نصف فارغ ويتدلى منه الجزء المتبقي من الرسم.
باختصار شديد، أكثر ما يميز هذا الفنان أنه لا يزال رغم مرور أكثر من عشرين سنة على شهرته محط لغز كبير، وأن رسوماته انتشرت عالميا من لندن وصولا إلى غزة لتندد بأعمال العنف ضد الشعوب وبالنزعة المتعاظمة للفكر الاستهلاكي والإمبريالي الأميركي، كما تناول مواضيع شائكة كأزمة المهاجرين وانتقد الجدار العازل الذي أقامه الإسرائيليون بوجه الفلسطينيين، وحصل سنة 2007 على جائزة أعظم فنان يعيش في بريطانيا، لكنه لم يحضر لاستلامها كما كان متوقعا ليبقى مجهولا.
الأهم من حدث التمزيق الجزئي للعمل أنه لم يفقده قيمته المادية، بل على العكس، إذ بيع بسعر 1.042 مليون جنيه إسترليني وهو أعلى مبلغ لعمل لبانكسي سبق أن سجّل خلال مزاد منظّم سنة 2008، فهل يعقل عن فنان حاد الذكاء كبانسكي أنه لم يكن قد خطط لذلك، هذا إذا ما كانت “سوزيبيز” متواطئة معه، وهي التي تعلم حق المعرفة نوعية جمهورها؟
خلافا لكل الأعمال التي قدمها بانسكي يمكن اعتبار هذا  العمل/ الحدث بداية لمرحلة فنية جديدة، أو ربما مجرد شرخ يعود بعده الفنان إلى ما كان يقدمه سابقا.
في قلب هذا الحدث يكمن هذا السؤال: أي نوع من الاحتجاج الفني ضد المجتمع الاستهلاكي والرأسمالي يحققه هذا العمل عندما ترتفع قيمته بشكل جنوني لحظة التمزيق والإعلان عن بيعه؟
مما يأخذنا إلى القول بأن القيمة الفعلية للعمل/ الحدث تكمن ليس في التمزيق أو الإتلاف كتعبير عن الاحتاج أو الاستهزاء بالاستهلاكيين والرأسماليين الذين يحكمون العالم ويعيثون فيه فقرا وفسادا، بل على العكس إنه نوع من التكريس والاعتراف بهذا المجتمع وبصورته العامة والشاملة، إذ أخرج الفنان عمله من “إطاره” ليجعله منتشرا في  صالة دار “سوزيبيز” جاعلا من ذاته “الغامضة” والثائرة ضد الظلم واحدة من هذا المجتمع ومما “يدعي” الثورة عليه، وذلك لعلمه المُسبق بأن عمله/ الحدث سيحقق نجاحا باهرا.
يحيلنا عمل بانسكي هذا وبقوة إلى الفنان المُستقبلي أومبيرتو بوكشيوني عندما قال “لنفتح الشكل كما نفتح نافذة ونغلقها من جديد بعد أن استحوذت وأدخلت ما في خارجها إليها”.
يمكن اعتبار ما قدمه بانسكي نوعا خاصا من الفن الذي أطلق عليه “سبايشل آرت” أو فن المكان المفتوح لناحية أنه خرق الحاجز، عبر خرقه لعمله، ما بين العمل وما حوله، وأدى هذا الحاجز المخروق إلى انسياب الخارج إلى الداخل والعكس بالعكس ليتشكل الانسجام التام، هكذا تمكن الموجودون في الصالة من رؤية الحدث/ العمل خارج إطاره ومتصلا بهم وبما يعتبرونه يستحق الاقتناء أو الثناء، و في هذا السياق تماما أطلق على العمل لاحقا عنوان جذاب وعصري جدا “الحب في سلة المهملات”.
أما حين أكد الفنان أنه كان على اللوحة أن تُدمر كليا، ولكن لم يحدث هذا بسبب عطل تقني، فقد قدم الفنان ذاته داخل هذه المنظومة وانتفت عنه تلقائيا صفة التمرد ليحل مكانه الانصياع لقوانين السوق التي لطالما اعتبرها عبثية ومهترئة.
يصعب علينا اعتبار هذا العمل بالذات نوعا من التمرد الذي اشتهر به، ونميل أكثر إلى اعتباره نوعا من حملة دعائية جعلت من بانسكي أكثر شهرة وبالتأكيد أكثر ثراءً.
ناقدة لبنانية

قيم الموضوع
(0 أصوات)