ardanlendeelitkufaruessvtr

الأرشيف الوطني العراقي

بقلم صباح ناهي كانون1/ديسمبر 20, 2018 464

الأرشيف الوطني العراقي
إنه زمن الحرب ونتاجها التي تجعلك عاجزا عن أن تلقى صورة لزميل رافق دروب حياتك وأودعك صورة فقدتها من ذاكرة جيل لتظل مرسومة بداخلك، وبت تعاني كي تستخرجها.
تغير كل شيء بلمح البصر من عمر التأريخ
أقسى ما تواجهه الشعوب حرمانها من ذاكرتها المتمثلة بأرشيفها الوطني المتجسد بسيل من الوثائق والمخرجات الإعلامية التي أنتجتها الأجيال التي قالت كلمتها ومضت، فهو يتعدى في قيمته المادية إلى قيمة أعمق، وأبعد من محاكاة أنية لذلك المنجز الذي تم توثيقه ليكون ذاكرة حية لأجيال أنفقت أعمارها في سبيله.
عشت أياما أبحث عن صورة طلبها زميل عزيز مسؤول في إدارة صحافية، مهتم بالكتابة عن ظروف التقاطها وقيمة نشرها، صورة لا تعود للوائح القرن الماضي وبدايات الفوتوغراف والشرائح الجلاتينية التي تترأى للطّباع رويدا رويدا لتدهش صاحبها وتملؤه فرحا حين يراها بل لعهد قريب، كما فعل المصور الراحل رحيم حسن الذي نذر نفسه على الحدود العراقية-الإيرانية، ليوثق حياة الجنود وهم يعيشون تحت القصف لثماني سنوات عجاف.
ويعود من جبهات القتال ليوثق حصيلة كاميراته على أفلام جلاتينية ويطبع صورها، ليفوز بلقطة نادرة عن جنود عراقيين يلعبون الشطرنج بين المدافع وقت استراحتهم.
لقطة نال عنها نوط الشجاعة لأنها تلخص هوية أولئك المقاتلين الذين رحل معظمهم مع آلة الحرب الضروس التي أكلت الأخضر واليابس، كما رحل مصورها الشجاع. أنها ذَاكرة ما عاد الوصول إليها سهلا بعد مسلسل الحرق والتجريف لها واجتثاثها، وضياع صور ووثائق نتيجة السرقة والنهب واقتحام المؤسسات حصيلتها أكثر من عشرين ألف قطعة متحفية بعد اقتحام المتحف الوطني في بغداد والعشرات من المتاحف المحلية.
وبعد أن صحونا واستعدنا أنفاسنا لنبحث عن صورنا وأرشيفنا الوطني الذي سرق وأحرق ونهب بل تغيرت خرائط حضور الناس ومعالم بيوتهم وشاعليها، وأهملت عن عمد وسبق إصرار أحياء وشوارع كانت تعج بالناس، حتى تغير كل شيء بلمح البصر من عمر التأريخ بتغير العقول والنفوس والتوجهات، وبتنا نسأل عن أفراد أعطوا لأوطانهم بلا مقابل.
أنه زمن الحرب ونتاجها التي تجعلك عاجزا عن أن تلقى صورة لزميل رافق دروب حياتك وأودعك صورة فقدتها من ذاكرة جيل لتظل مرسومة بداخلك، وبت تعاني كي تستخرجها من ركام حطام المدينة التي تحول شاغلوها إلى شاغلين جدد، حولوا أهم المؤسسات الإعلامية وسواها إلى مشرات لغسيل الملابس وعشوائيات، كما حدث للصحيفة الكبرى التي طبع فيها رحيم حسن صورته “الجمهورية”.
لم أملك جرأة الاعتذار لصديقي طالب الصورة الذي ترك البلد وهو محشو بالمنجزات الفلمية التي وقف عليها ذات يوم، واكتفيت باعتذار رقيق له لا يمكن الحصول عليها. ورغم أن المسألة قد تبدو عابرة لكنها تكشف أي أسى تعيشه ذاكرة مؤسساتنا التي غادرها المئات من ذوي الاختصاص وانزووا بعيدا يحتسون آلامهم ينتظرون الفرج.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)