ardanlendeelitkufaruessvtr

حديث الخميس: رسالة اليه في ذكراه

حسان الحديثي 
 
أعلم أنّك الانسانُ الذي لا يحتاج الالمُ دليلاً ليهتديَ اليه، وأعلمُ أنّك الشاعرُ الذي لم تغبْ عنه رؤى الجمال، وأعلم أن الألم كان تصاعدياً مع سنيّك القصيرات، وكان الابداعُ معه تصاعدياً ايضاً ، فلا عجب حينما كانت النهاية قريبة منك فمن يمشي سريعاً يصل اسرع.
 
أعلم أن الثمان والثلاثين سنة كانت كافيةً لتصلَ بها الى أعلى مرحلة من مراحل السقم والغربة والحرمان وأعلم ان الموت لم يكن الا راحة عظيمة مما كنت تجد وكفيلةً ايضاً ان تصل بها الى عرش العبقرية الشعرية.
 
أعلم أيضاً انك كنت إنساناً بشاعر وشاعراً بإنسان ولم تكن لتكون بأحدهما دون الآخر، ولن نستطيع فهمك شاعراً ما لم نغص في أعماقك إنساناً ويكفيك فخراً ان أقرانك من الشعراء ممن عاصروك وعاشوا بعدك بنصف قرن وأكثر لم يتركوا عُشْرَ الأثر الذي تركَه فكرُك وشاعريتُك حين مت وانت ابنٌ للفتوة والشباب، فذلك هو سر العبقرية حين يحملها الإنسان، وسر الإنسانية حين يحملها العبقري
 
لكني اصدقك القول لم أكن ادرك يوما أنني ساحسدك على ما آل اليه حالك ولم يكن في حسابي ان تتحول في مخيلتي الى إنسان محظوظ بعد كل ما رأيتَ من عذابات الحياة، لا اكتمك....
 لقد كنت ابكي عليك كلما قرأت مرثية سعدي يوسف لك وهو يردد ويقول :
جيكورُ توقد في المساء الرطبِ فانوساً ولا تلقى ضياءَهْ
مات اليتيمُ وخلّفَ امرأةً وأيتاماً وراءَهْ
يا رحمة الله التي وسِعَتْ شقاءَهْ
يا أُمَّ مَن لا أُمَّ تُغْمِضُ جفنَهُ : كوني رداءَهْ
ولْتمنحي الجسدَ المعذّبَ راحةً ، والحلقَ قطرةْ
ولْتمسحي بالسِّدْرِ جبهتَهُ ، وبالأعشابِ صدرَهْ
هو طفلُكِ المصلوبُ فوقَ سريرِهِ  عاماً فعاما
متقيِّحَ الطعناتِ مشلولاً مُضاما
 
لكني ادرك اليوم ان حياتك كانت فخراً وموتك كان فخراً ايضاً، فما زال الشعر بعدك في وَلَهٍ وحزنٍ واندهاش يعيش حالة الفقد ويتقبل فيك العزاء، فقد كنت فرقاناً بين الحزن، والحزن النبيل ونقطةَ اتصالٍ عظيمةٍ للشعر بالانسانية.
 
لقد اثبت ان الحياة بلا امٍّ ظلٌ ناقص وانها بلا وطن شمسٌ قصيرة.
 
أعلم أنك فتحت مغاليق الخيالات لأجل الحزن الذي يعتريك وأبواب المجاز لأجل الإحاطة بالألم الذي كنت تتقلب عليه فانفتحت بذلك كل أبواب الجمال أمامك ثم أمام الشعراء من بعدك فكنت فيهم المبتكر وعشت ولما تزل فيهم الحادي والرائد .
 
لكن الحال بعدك كما هو -يا بدر- 
فما زال العراق يعيش الجوع و ينثر الغلال فيه موسم الحصاد لتشبع الغربان و الجراد، وما زال الناس بانتظار من بعد انتظار من بعد انتظار ..... وكأن الزمان تـلاشى فلمْ يبقَ إلا انتظار.
 
ما زالت "جيكورُ" توقد فوانيس بلا ضياء و "بُويبُ" متسربلاً ببقايا وشلٍ للدموع، وما زالت اشباحُ "منزل الأقنان" تعيش اليتم بعدك  ولمّا تزل شجرةُ السِدر بحاجة لمن يهذب ظفائرها اليابسة.
 
ما زال فينا الضياع والخداع والظلام والسقام،  وما زال احدنا يردد في صحوه: يا نوم بين جوانحي أملٌ ...لم "ندر" قبلك أنه أملُ.
 
ما زلنا واقفين خلف سور من حجار لا‌ باب فيه لكي "ندقَ" ولا‌ نوافذ في الجدار، وما زلنا نتحرق انتظاراً واصطباراً وما زلنا نجهل ما لا نريد وما نريد.
 
ما زال فينا الجياع و العراة والعبيد وما زال اليتامى والأرامل والثكالى وما زلنا نقتل الناطور على البيدر لنستبدله بسارق ونخلق من بناته الف مومس عمياء ثم نتركها بلا فانوس ونبيع الزيت لمن يدفع أكثر.
 
ما زالت المزاريبُ تنشجُ بعدك من دموع الأمهات -يا بدر- وما زال البكاء هو العزاء الاقرب للنساء من كل صديق وأنيس.
 
لم تبق وراءك غابةُ ولا سَحَرْ.  ولا شرفتان ولا قمرْ، لقد تيبست أخشابُ الشناشيل وأمست محضَ ركامٍ واقف، وباتت ابنةُ الشلبي متسولةً على رصيف المارة وبات شباكُ وفيقة مشرعاً تتداول دفتيه الريح.
 
غادرنا بعدك -يا بدر- الحمدُ والعطاءُ ولم يبق غيرُ الألمِ والرزايا والبلاء.
 
لم يبق لي بعد ما تقدّم إلا أن ازفَّ لك خبرا سيسعدك كثيراً، فأنت الأوفر حظاً بين آلآف المشردين فقد فزتَ من العراق بقبرٍ مجاني وغيرك الآن يدفع الاف الدولارات ليشتري قبراً في الغربة.
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
حسان الحديثي

حسان الحديثي
عراقي من مواليد مدينة حديثه/العراق ويعيش حالياً في المملكة المتحدة
كاتب وباحث ودارس في ألادب العربي وتاريخه
يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية
له كتاب ” حديث الخميس" بجزأين
ومخطوطة ” والسياب شاعر الانسانية الاكبر ”