ardanlendeelitkufaruessvtr

إشكالية ضمان الحريات السياسية في البلدان العربية _ العراق نموذجاً

بقلم المندلاوي كانون1/ديسمبر 28, 2018 225

أحمد صادق المندلاوي*

ظهرت الحريات العامة كسلاح ضد السلطة المطلقة ، إذ تعتبر على علاقة وطيدة بنظام الحكم القائم في دولة ما . هذا الذي إذا ما قبل بادخالها في صلب العلاقة السياسية بين الحكام والمحكومين كان نظام دستوري.
فالديمقراطية على حد تعبير بيردو هي نظام حكم يهدف إلى ادخال الحرية في العلاقات السياسية ، أي في علاقة الأمر والطاعة اللصيقة بكل مجتمع منظم سياسيا.إذ انها تطمح إلى التوفيق بين حرية الإنسان وفرض النظام، ليس عن طريق إلغاء السلطة وإنما عن طريق ترتيبها بشكل تكون متوافقة مع حريات الأفراد وحقوقهم.
الديمقراطية هي نوع من المشاركة في إدارة ومراقبة الشؤون العامةوعمل المؤسسات مما يعزز موقع الانسان تجاه السلطة ويجعله جزء منها.
يعتبر كل من الحوار والمشاركة والمعارضة بمثابة مفاهيم تفترض وجود مناخ تعددي ، فالحوار يفترض أكثر من طرف، كذلك المشاركة والمعارضة ومن هنا اقترنت الديمقراطية بالظواهر التعددية مثل التعددية الحزبية تعددية في السلطات (مبدأ الفصل بين السلطات).
يقصد بحرية الرأي قدرة الفرد على التعبير عن رأيه بحرية تامة بغض النظر عن الوسيلة التي يسلكها سواء كان ذلك بالاتصال المباشر بالناس أو بالكتابة......
وإزاء تعدد مجالات حرية الرأي والتعبير نشأت صعوبة خاصة بتحديد مجالات التعبير وماهية القيود التي تفرض عليها لمنع التجاوز أو الافراط الضار بالمجتمع والآخرين عند ممارستها في حدود مجالات اعمال الحريات السياسية أمكن حصرها في كفالة حرية الانسان في اعتناق الآراء دون تدخل من الغير أو الدولة في ذلك وأن يتلقي وينقل ما لديه من معلومات وأفكار يعبر بها عن رأيه من خلال أية وسيلة إعلامية.
وبصفة عامة التعبير عن ذلك من خلال الكلمة الشفوية أو المكتوبة والمصورة، أما بخصوص التعبير الملزم عن الرأي والخاضع للضوابط فإن ممارسة هذا الحق تخضع لطائفة من الالتزامات والتي فرضها القانون وبالقدر اللازم للمحافظة على النظام العام والحقوق والحريات الخاصة بالاخرين.
معايير ممارسة الحقوق السياسية:
تتميز الحقوق السياسية بأنها عن طريقها يمكن التحكم والسيطرة على دفة الحكم في البلاد حيث يعبر الشعب فيها عن إرادته ويمسك بيده زمام الأمور، وبدون الحقوق السياسية تعد الحريات الأخرى منحة يمكن للسلطة صاحبة الأمر أن تستردها متى تشاء . كما تمتاز أيضا بقصر ممارستها على الوطنيين دون الأجانب ووفقا لشروط معينة وطبقا لما تنظمه التشريعات الخاصة بذلك بحيث تعد رابطة المواطنة (الجنسية) معيارا أساسيا لممارسة هذه الحقوق.
وقد أصبحت الحقوق السياسية من ألزم حقوق الإنسان في العالم المعاصر بوصفها الوسيلة المشروعة والمناسبة في التعبير عن اتجاهات ورغبات المواطنين في سبيل حماية حقوقهم وحرياتهم.
وسائل المشاركة في الحياة السياسية وأهمها:
تتعدد وسائل المشاركة في الحياة السياسية ويذكر اساتذة علم الاجتماع السياسي والعلوم السياسية مستويات متباينة للمشاركة تتفاوت في ترتيبها حسب آراء كل منهم ولكن يلاحظ بصفة عامة على هذه الآراء أنها تكاد تجمع على احتلال التصويت لأدني درجات السلم في الحريات السياسية والمشاركة السياسية، والبعض يصوغ نماذج المشاركة في شكل هرمي يجعل على قمته تقلد منصب سياسي أو إداري كأهم وسيلة للمشاركة ويجعل التصويت في أسفل ذلك الهرم.
وقد انتقد البعض اهتمام علماء الاجتماع السياسي بتقلد المنصب السياسي والإداري كأهم حق في المشاركة باعتبار أنه ليس قرينة على ايجابية الفرد في الحياة السياسية ، فكم من مسؤول سياسي تقلد منصبا رسميا ولم يزد دوره عن دور الموظف العام.
ويغالي نفر من أساتذة العلوم السياسية في إهدار قيمة حق التصويت كأهم وسائل المشاركة حيث يري بأن إدلاء المواطن بصوته في الانتخابات لا يمثل البتة أسلوبا من أساليب المشاركة في الحياة السياسية ، ويعلل ذلك بأن الناخب إذ يدلي بصوته فإنه يؤدي عملا يتصل مباشرة بالسلطة الرسمية ، فهو بالاشتراك في الانتخابات يسهم في التشكيل العضوي لتلك السلطة ، بينما الاشتراك في الحياة السياسية يعني الاشتراك في تكوين القوي غير الرسمية أي القوي الشعبية التي تنهض من القاعدة وتؤثر في السلطة الرسمية (المعارضة).
ويربط الكثيرون بين المبدأ الديمقراطي والتصويت كوسيلة لإسناد السلطة ويقولون أنه لاقيام للديمقراطية ما لم يكن التصويت هو وسيلة اختيار الحكام وأساس عملهم حيث يعد هو الوسيلة الأساسية والأولية التي يتم بها التعبير عن إرادة الشعب وضرورة احترام حقوقه وحرياته .
ويلي حق التصويت وسائل أخرى للمشاركة مثل عضوية الأحزاب السياسية والنقابات ونشاط الجمعيات الاهلية وإسهام الصحافة في توجيه الرأي العام وتكوين الوعي السياسي.
فالأحزاب السياسية باعتبارها وعاء للمشاركة المستمرة تعمل على توسيع النشاط السياسي والمشاركة الجماهيرية كما تعد بمثابة حلقة وصل بين الحاكم والمحكوم، ومن خلالها تتم الممارسة اليومية العادية لحرية الرأي. وبدون الأحزاب لايمكن لرغبات الجماهير أن تصل إلى آذان السلطات ولا يستطيع المواطن أن يؤثر في الحياة السياسية معزولا عن أقرانه فالعمل الفردي لا يؤدي إلا إلى ضياع الجهود وتشتيت القوي.
موقع الحرية السياسية من الحريات العامة:
كثيرا ما يستخدم مصطلح الحرية السياسية في أدبيات الفكر السياسي والدستوري كمصطلح مرادف للديمقراطية.
فيقال أن المواطنين يتمتعون بالحرية السياسية إذا كانوا يساهمون بشكل مباشر أو غير مباشر في مهمة الحكم بصفة عامة والبرلمان بصفة خاصة، فالحرية السياسية تتمثل في مساهمة المواطنين في الحكم وفي الإدارة و في العدالة .
فأما مساهمتهم في الحكم فتتمثل في حق الترشح وحق الانتخاب وحق التصويت وهذا ما يهمنا، وقد أحيطت الحرية السياسية بالكثير من الضمانات السياسية والقانونية كحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والاجتماع ... كما أن الحرية السياسية في مفهومها التقليدي قد ارتكزت على مبدأ هام وهو مبدأ الحق في المعارضة الذي ترتب على مبدأ آخر وهو مبدأ حكم الأغلبية.
ساد اعتقاد في الفقه التقليدي مفاده أن الحق في المعارضة هو المعيار الجوهري للديمقراطية التقليدية ، فالأقلية هي الرأي المخالف والحرية السياسية هي الحق في مخالفة الرأي.
صور الحريات والحقوق السياسية:
الحرية السياسية هي أن يكون لكل إنسان قادر الحق في الاشتراك في توجيه سياسة الدولة ، ومراقبة السلطة التنفيذية . وقد كفلها الإسلام حين جعل نظام الحكم قائم على الشورى لقوله تعالي وشاورهم في الأمر وقوله أيضا وأمرهم شوري بينهم.
تشمل الحرية السياسية من ناحية أولي الحقوق التي تسمح للأفراد بالمشاركة في الحياة السياسية وفي التعبير عن السيادة الشعبية وممارستها، وتتضمن حق الانتخاب وفقا لنظام الاقتراع العام الذي يوسع من نطاق هيئة الناخبين (الشعب السياسي) في الحياة السياسية.
كما تشتمل الحقوق السياسية أيضا على حق الترشح وفقا للشروط التي يضعها القانون لتنظيمه على نحو لا يصادر ذلك الحق أو ينقص من ممارسته. يستوي في ذلك أن يكون الترشح للمجالس النيابية أو المحلية أو الانتخابات الرئاسية.
وأخيرا تتضمن الحقوق والحريات السياسية في حق المشاركة في إبداء الرأي في الاستفتاءات العامة على القوانين أو الدساتير.
يتبين لنا مما ذكرنا أن حق المشاركة في الحياة السياسية يعد أحد الحقوق التي تتضمنها طائفة الحريات السياسية ، وبهذا نكون قد حددنا موقعه من خريطة الحقوق السياسية والحريات الفردية.
أما في العراق فإن واقع الحريات السياسية قد شهد تدهوراً كبيراً نتيجة تدهور الوضع الأمني ونتيجة لعمليات الفساد المالي والاداري وما تمخض عنها من واقع مجتمعي مأساوي من الازمات الاجتماعية والتفكك الأسري وغياب الوعي المجتمعي , بالإضافة إلى غياب سلطة القانون وإقتصار تنفيذه على الطبقة المتوسطة والفقيرة جميع هذه المعطيات لا يمكنها أن تنشئ بيئة تكفل التمتع بالحريات السياسية , فهناك معادلة بارزة في هذا المجال فمتى ما تمتع المواطن بحياة اساسها الحرية والعيش الكريم وسيادة قيم التعاون المشترك وتفعيل دور الثقافة المجتمعية والوعي السياسي المجتمعي حينها سنكون أمام مجتمع صحي يكفل التمتع الحقيقي بالحريات السياسية بأشكالها المختلفة , أما في الواقع العراقي سنجد أن معطيات هذه المعادلة تكاد تكون معدومة في مناطق عدة على خارطة لطالما عاشت في فترات عدة صراعاً دموياً على السلطة والسطوة المجتمعية والسياسية وسيادة واقع متدهور إقتصادياً وبروز تمايز طبقي كبير إلى أن وصل الحال إلى صراعات فئوية مذهبية تحت عباءة السطوة والسيطرة على الحكم بعد 2003, و من أجل إنجاح عملية التمتع بالحريات السياسية في العراق وجعلها تخرج من دائرة المشاركات السلبية إلى دائرة المشاركات الايجابية الفعلية التي تضمن تحقيق الوحدة الوطنية عبر إلغاء العنف وتنمية المجتمع وتطوره من خلال :
1- العمل على تحجيم ثقافة الخضوع والواجب والعمل على زيادة الوعي الثقافي والسياسي في العراق من خلال نشر ثقافة سياسية مشاركة قوامها الولاء للوطن وليس الولاء إلى فئة معينة أو مذهب أو طائفة أو قومية معينة، ثقافة تحل محل ثقافة العنف وتنبذها.
2- تعزيز وتنظيم دور مؤسسات المجتمع المدني لتصبح مؤسسات حقيقية للمشاركة السياسية في جعل دورها الأول وهمها الأكبر ينصب لخدمة الولاء الكلي للوطن، عبر الحفاظ على استقلالها من خلال تنظيم علاقتها بالسلطة الواجب قيامها على التوازن وليس الانحياز أو الخضوع من أجل قيامها بدورها الصحيح.
3- بناء دولة القانون والمؤسسات وتأطيرها دستورياً وبناء المشاركة الحرة الواعية.
4- الإقرار بحقيقة التنوع القومي و الديني و والطائفي في المجتمع وإعطاء كل المكونات الحق للتعبير عن نفسها وحماية مصالحها من خلال التنظيمات العصرية من أحزاب ونقابات وجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني وضمان مصالح وتمثيل هذه المكونات بشكل عادل.
5- العمل على نشر قيم المواطنة والتي تشمل حقوق الجنسية, حق السكن اللائق, والمستوى المعاشي الجيد. إضافة إلى توفير حق الأمن, ضمانات ممارسة حق التعبير عن الرأي, وحق الانتخاب, وحق الترشيح, والسعي لشيوع ثقافتها لتساهم في تأسيس الهوية الوطنية والإندماج الإجتماعي ثم ترسيخ الوحدة الوطنية .
6- الإقرار والتنفيذ لمبادئ الديمقراطية التي نص عليها الدستور وتطبيق مبدأ التداول السلمي للسلطة السياسية عن طريق الإنتخابات والإستفتاءات وتحريم اللجوء الى اي وسيلة عنيفة .
7- إلغاء المحاصصة الطائفية تحديداً في العراق والركون إلى المشاركة السياسية من خلال الأخذ تكوين معارضة سياسية وتشكيل حكومة ائتلافية من حزبين أو ثلاثة, إضافة إلى اعتماد مبدأ الكفاءة, وتعديل النظام الانتخابي بالشكل الذي يحقق العدالة الانتخابية للجميع, أيضاً ينبغي الأخذ بمبدأ الأغلبية السياسية والأقلية السياسية، بغض النظر عن التكوينات الاجتماعية.
8- العمل على تحقيق الوحدة الوطنية والاندماج الوطني من خلال تعامل الدولة مع مواطنيها على أساس المساواة بين جميع أفراد المجتمع، بلا استثناء ولا تمييز, كما لا بد للدولة أن تعمل بصفة العمومية أي أن تنظر إلى الفرد وتتعامل معه بصفته مواطناً لا فرادً له كل الحقوق وعليه كل الالتزامات، والالتزام بالعقد الاجتماعي من جانب الدولة والفرد على السواء.

 

 

*أحمد صادق المندلاوي
ماجستير _ قانون عام / حقوق الإنسان والحريات العامة

 

قيم الموضوع
(3 أصوات)