ardanlendeelitkufaruessvtr

الجميلة والعنصرية

بقلم شيماء رحومة كانون2/يناير 13, 2019 29

الجميلة والعنصرية
اعتلاء بن حمو عرش ملكة الجمال في الجزائر أزاح النقاب عن إرث عربي ضارب بجذوره في عمق الثقافة العربية بقطع النظر عن خصوصية العلاقات داخل المجتمع الجزائري.
الملكة السمراء اختارت أن تقف بكل شموخ دون أقنعة
ملأ فوز الشابة الجزائرية خديجة بن حمو دنيا السوشيال ميديا وشغل الناس في الجزائر وفي أنحاء مختلفة من العالم، وبدل أن يحوّلها التتويج بتاج الجمال إلى ملكة جمال حوّلها إلى هدف للهجوم على الإنترنت وأثار حولها جدلا واسعا، ومن جديد تطالعنا الحبكة المتقنة للسوشيال ميديا والمواقع الاجتماعية في تأجيج الرأي العام وتوجيهه وفق ما يخدم أجندات بعينها.
هذه المنصات سلاح ذو حدين صارت مكشوفة للعيان تحارب من جهة العنصرية وتصبغ أغلب الصفحات على شبكاتها العنكبوتية بصنوف التنديد بالسلوكيات والأفعال المدينة للعنصريين، لكنها في الآن ذاته تقع في فخ شرهها للأخبار المثيرة التي تجرّ روادها إلى النقد والثلب والسقوط من علياء مثالياتها الزائفة.
اعتلاء بن حمو عرش ملكة الجمال في الجزائر أزاح النقاب عن إرث عربي ضارب بجذوره في عمق الثقافة العربية بقطع النظر عن خصوصية العلاقات داخل المجتمع الجزائري، فعلاقة الجنوب بالشمال قضية محلية بامتياز لا يمكن الارتكاز عليها في تحليل ردود الفعل القاسية على الشابة السمراء.
الزوبعة التي انفجرت في وجه الفتاة العشرينية ضد شكلها الخارجي أحيت أمجاد أسلافها العرب الذين أحبوا اللون الأبيض الذي تخالطه صفرة وتغنّى شعراؤهم به في أشعارهم، لا للسمراء ملكة متوجة على عرش الجمال يعيد إلى الأذهان بعضا من كلمات امرؤ القيس “كبكر المقاناة البياض بصفرة.. غذاها نمير الماء غير المحلل”، لكن تغزلهم باللون الأبيض لم يعكس جمالا صارخا تتحلى به حبيباتهم، إذ يقول نخبة من الدارسين إن بعض محبوبات شعراء الجاهلية، لم يكنّ يتمتعن بجمال خارجي كبير.
كما أن العرب القدامى كانوا يركزون إلى جانب التغزل بالصفات الجسدية على أخرى معنوية شكلت جملة من المرادفات للخجل.. الحياء والخفر، وكذا العفة والفطنة، فالميل للناحية الشكلية لم يمنعهم عن إحداث صور نموذجية توازن بين الشكل والمضمون.
لم يكن ذنب بن حمو أن المشرفين على مسابقات ملكات الجمال في السنوات الأخيرة عادوا إلى هذا الإرث وبدأوا بالتركيز على شخصيات المتسابقات وثقافتهن ومستواهن العلمي، كسرا لصور نمطية ربطت شروط اعتلاء العرش بمقاييس جمال مخصوصة تهتم بالشكل الخارجي.
هذه الهالة الخارجية لا تساوي شيئا دون التسلح بحزمة من الشهائد العلمية والتشبع حتى النخاع بمشارب اللغات والعلوم وحمل مشعل كاريزما تتلون بشتى القراءات لثقافات مختلفة تستمد جذورها من الأخذ من كل شيء بطرف، ودون ذلك يسقط قناع الجمال أمام أول تمثيل فعلي للملكة في أول مناسبة دولية يتم استدعاؤها إليها.
انتزاع خديجة للقب وسط عدد من المرشحات اللاتي تتحلى من المؤكد بعضهن بجمال ظاهري صارخ جعلها في قفص الاتهام وجريرتها أنها غير جميلة! تجاوزت كل الجميلات إذن، ولم تتعثر إلا في جهل منتقديها.
كيف غاب عن الفيسبوكيين المتابعين لأشعار نزار قباني حين حرر بعضهم ردود أفعال حملت في طياتها عبارات مسيئة اتصفت بالعنصرية قوله “مكياج المرأة يجِب أن يكُون مكياجا ثقافيّا لأحبّها، أنا لا أستَطيع أن أحتمِل امرأة جميلة وغبيّة”.
الملكة السمراء اختارت في التصفيات أن تقف بكل شموخ دون أقنعة من المساحيق بشعر أشعث، وإن بدت في صور انتشرت مع تقارير على مواقع إلكترونية بشعر “مبسوط” ومكياج خفيف جميلة، لكن ما أهلها فعلا هو جمال داخلي زينه علمها وثقافتها، لتحين مع تعديل قصة “الجميلة والعنصرية”، وتكتب فيها فصول جديدة لثرثرة رقمية تمقت العنصرية وتباركها!
كاتبة تونسية

قيم الموضوع
(0 أصوات)