ardanlendeelitkufaruessvtr

إحساس لذيذ بالذنب

بقلم هيثم الزبيدي كانون2/يناير 16, 2019 177

إحساس لذيذ بالذنب
ما بدأ إحساسا بالذنب، تحوّل إلى ولع. لماذا لا تغامر وتطلع على مواضيع مختلفة وليست ضمن الاهتمامات الحصرية؟ لماذا لا تنوع دائما وتغوص في تفاصيل قضايا قد لم تثر أبدا في عالم الكتابة والترجمة في منطقتنا العربية؟
ليس سهلا أن ترمي كتابا في سلة المهملات
في التسعينات انتشرت في بريطانيا أندية للكتب. هذا كان اسمها لكنها في الحقيقة مشاريع تجارية تستهدف بيع الكتب لقراء يحبون الكتاب. فبدلا من الذهاب إلى مكتبة وشراء الكتاب، تأتيك مجلة فيها قوائم وإصدارات وتعليقات عن كتب صدرت حديثا بأسعار معقولة ومدفوعة البريد. ومع المجلة تأتي رسالة تقول إن العدد القادم سيصلك ونوصي بشراء هذا الكتاب أو ذاك معه.
يصل العدد الجديد ومعه الكتاب الذي لم تطلبه لأنك نسيت أن ترد على رسالتهم وتقول إنك لا تهتم بموضوع هذا الكتاب. وستجد إن إعادة الكتاب إليهم عملية مكلفة خصوصا لميزانية طالب. فتُبقي الكتاب وتبدأ بتقليب صفحاته على أمل أن يستثير اهتمامك. تتكرر العملية أكثر من مرة لأنك تنسى أن ترفض الكتاب المقترح في زحمة الدراسة والعمل. وقبل أن يمر العام تجد أن رفا من الكتب قد امتلأ بمكتبتك الصغيرة. وأمام عشرة كتب أو أكثر، ينمو إحساسك بالذنب بأن مالا يضيع من دون طائل، على كتب خارج نطاق اهتماماتك. أنا أريد أن اقرأ عن تاريخ الشرق الأوسط وعن التكنولوجيا وعن الفلسفة. لماذا يفرضون عليّ تاريخ الثورة الصناعية وتاريخ أسر العبيد في أفريقيا وبيعهم في المستعمرات الأميركية؟
الإحساس بالذنب مفيد. ليس سهلا أن ترمي كتابا في سلة المهملات. لهذا تكسر روتين الموضوعات وتبدأ بالاستطلاع. وهذه نقلة نفسية ونوعية لقارئ كان يكتفي من المعارف التي تقع خارج نطاق اهتماماته، بأن يطلع عليها في الموسوعات. الموسوعات جميلة ومفيدة، وتقدم موضوعات مكثّفة، معرفية ولكنها تتجنّب الغوص في عمق الأشياء وإلا لن تكفيها مجلداتها العشرين أو الثلاثين مثلا.
ما بدأ إحساسا بالذنب، تحوّل إلى ولع. لماذا لا تغامر وتطلع على مواضيع مختلفة وليست ضمن الاهتمامات الحصرية؟ لماذا لا تنوع دائما وتغوص في تفاصيل قضايا قد لم تثر أبدا في عالم الكتابة والترجمة في منطقتنا العربية؟
الاستفادة، كما أراها اليوم من على بعد أكثر من 25 عاما، كانت كبيرة. أنت لا تغوص في المعلومات التي توفرها هذه الكتب فقط، بل تتعلم طرق تفكير مختلفة في أشياء متباينة ومتباعدة. مؤرخ عمليات رسم خطوط الطول والعرض وصعوبة القيام بهذه المهمة، لن يكتفي بتفصيلات وضعها على الخرائط بل يغوص عميقا في عملية استكشاف العالم وفكرة الاستعمار. صرت أدرك لماذا اضمحلت القلاع مثلا بعد مطالعات عن تاريخ التكنولوجيا العسكرية. وكلما قرأت أكثر، ازداد شوقي للتنويع.
النتيجة إحساس لذيذ بالذنب، يصاحبني حتى اليوم.
كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)