ardanlendeelitkufaruessvtr

أنا في سُكرَين

بقلم إبراهيم الجبين كانون2/يناير 18, 2019 215

أنا في سُكرَين
كل ذلك وغيره يمكنك أن تجده في يوتيوب الذي أعلن مدراؤه حرفياً ما يلي "إن الإرشادات المجتمعية الخاصة بنا تحظر المحتوى الذي يشجّع الأنشطة الخطيرة التي من المحتمل أن تؤدي إلى ضرر جسيم".
شروط جديدة لتصفح يوتيوب واستخدامه
يقال إن القائمين على يوتيوب سوف يضعون شروطاً جديدة على تصفّحه واستخدامه، ولن يعود بإمكانك الاستمتاع بمشاهدة أي فيديو بكامل حريتك، إلا إن كان يتناسب مع سياسة يوتيوب. ولكن كيف نعرف سياسة يوتيوب هذه، وهو شركة مرخّصة بكاليفورنيا في أميركا البراغماتية التي لا مبادئ لها؟
ومع ذلك، وبمحتواه الهائل من المواد البصرية والسمعية، أصبح يوتيوب أكبر مكتبة في التاريخ دون منازع. مكتبة الكونغرس كانت كذلك، بمئات الملايين من الكتب في أكثر من 460 لغة، لكن اليوتيوب تغلّب حتماً عليها.
وفي إحدى المكتبات المطمورة، عثرتُ عليه ذات يوم؛ صبيٌ أرمنيٌ صغير، كان يحاول أن يجد عملاً، فلم يقبله إلا إسكافيٌ فقير في مدينة حماة السورية. وكان اسمه صعباً، فسمّاه أهل السوق “سرّي”. ولأنه كان سريع التعلّم، فقد أتقن عمل الإسكافية كله، حتى أنه كان يسرق الوقت لتعلّم العزف بمفرده على الكمان والعود. وصار يغني عند الأثرياء من وجهاء المدينة. وسرعان ما ترك مهنة الإسكافي وأصبح مطرباً وموسيقياً ورحل إلى دمشق. ولكنه احتفظ في جيبه بقصيدة جلبها معه من حماة كان قد كتبها الشاعر بدرالدين الحامد.
بعد سنوات، وفي مطلع ستينات القرن الماضي، لحّن سرّي تلك القصيدة، ومن يومها لم تغب عن عالم العرب الموسيقي. إنها قصيدة “أنا في سُكرين من خمرٍ وعينْ/ واحتراقٍ في لهيب الوجنتينْ/ لا تزِدْني أو فزِدْني فتنةً بالحاجبَينْ”. لكن هذا الموسيقي العبقري، وبعد أن طبقت شهرته الآفاق، عاد وافتتح في بوابة الصالحية معرضاً للأحذية، شغفه الأول، فخسر تجارته ومات في سن الواحدة والأربعين.
كان ذلك الفتى سركيس طمبورجيان، وقد أعاده لي اليوتيوب، وأعاد معه عملاقا آخر من عمالقة الموسيقى في العالم، في فيديو مشترك مع الممثل المكسيكي الراحل أنتوني كوين تم تصويره في حفل جماهيري بميونيخ. كان كوين قد اعتلى خشبة المسرح بناء على تحدٍ من الموسيقي العجوز الذي طلب منه أن يؤدي رقصةً ما. كان الموسيقي هو ميكيس ثيودوراكيس الذي لحّن موسيقى زوربا محمّلاً إياها شحنات من العمق التاريخي للشعب اليوناني، لذلك بقيت حية في قلوب شعوب الأرض.
كل ذلك وغيره يمكنك أن تجده في يوتيوب الذي أعلن مدراؤه حرفياً ما يلي “إن الإرشادات المجتمعية الخاصة بنا تحظر المحتوى الذي يشجّع الأنشطة الخطيرة التي من المحتمل أن تؤدي إلى ضرر جسيم”. وأي ضررٍ جسيم أكبر من موسيقى تشعل الوجدان وتفجّر الروح مثل موسيقى طمبورجيان وثيودوراكيس اللذين يتركانك في سُكرَين من المعرفة والجمال؟
كاتب سورى

قيم الموضوع
(0 أصوات)