ardanlendeelitkufaruessvtr

إيران أداة تنفيذ إقليمية

بقلم د. قيس النوري كانون2/يناير 24, 2019 441

إيران أداة تنفيذ إقليمية
كمٌّ هائلٌ من بالونات التضليل أطلقت مؤخراً عن قرب المواجهة الأميركية الساخنة لإيران وحلفائها في العراق، حتى ذهب بعضهمإلى تفسير إعادة الانتشار العسكري الأميركي الأخير في العراق، وتموضع قطعات أميركية في بعض المواقع على أنها مقدمات لمواجهة قريبة، في حين أن حقائق الأمور تؤشر إلى غير هذا تماماً.
إيران قدمت خدمة كبيرة للولايات المتحدة في الملف العراقي والإقليمي، فعلى صعيد العراق وظفت أذرعها في مطاردة المقاومة العراقية مما وفر فرصاً هادئة للقوات الأميركية للتموضع، بل وخربت مدن عراقية كاملة كانت حواضن للمقاومة الوطنية ورافداً لها، وعلى الصعيد الإقليمي أسهمت وما تزال، وبصفة مباشرة، في إطالة الأزمة السورية بما يخدم في المحصلة النهائية الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال تمزيق المقاومة الوطنية السورية وشرذمتها، وعلى الصعيد نفسه أثارت الذعر في دول الخليج، بتهديدها في بلدانها، مما دفع الأخيرة إلى إبرام المزيد من عقود توريد الأسلحة الأميركية بما يخدم الاقتصاد العسكري الصناعي .
أمام هذا كله هل هناك سبب يدفع الولايات المتحدة إلى الدخول في مواجهة ساخنة مع إيران؟ بالقطع ليس هناك أي مسوّغ للمواجهة، بل على العكس من هذا وفرت الولايات المتحدة لإيران ثمان منافذ تصدير واستيراد تغذي الاقتصاد الإيراني وتسمح بتصدير نفوطها، وقبلها سمحت إدارة أوباما بإطلاق مليارات الدولارات عقب عقد الاتفاق النووي معها مما سهل لها المضي في تمويل مشاريعها التدخلية.
هذه المؤشرات تنبئ، بالتحليل، أن الولايات المتحدة وظّفت وتوظّف إيران كعامل أقليمي يتيح فرص التعامل معها كشريك إقليمي في صياغة شكل المنطقة مقابل السماح لها بالتمدد في العراق والإبقاء عليها كعامل تأزيم لمنطقة الخليج العربي وعموم المشرق العربي.
لا يجوز المراهنة والاتكاء على ما يطفو من تصريحات دبلوماسية غامضة تحتمل التأويل المتناقض أو على تسريبات مضللة من هذا الطرف أو ذاك، الفعل الحقيقي والحاسم للدبلوماسية السرية وما يترتب عليها من نتائج عملية، ومن المعروف أن الإدارة الإيرانية أجادت هذه الممارسة، منذ وقت مبكر، ومن ثمانينات القرن الماضي، ولعل المفاوضات السرية لترتيبات أطلاق رهائن السفارة الأميركية في طهران وكذا الاتصالات السرية مع إسرائيل خلال سنوات حربها ضد العراق، وكلها كانت مفاوضات بالغة السرية فوجئ العالم عندما طفت على السطح بنتائجها، إطلاق الرهائن لتبني علاقات جيدة مع إدارة الرئيس الأميركي الأسبق ريغان والتزود بالسلاح والعتاد الإسرائيلي بنحو مباشر (من مطار بن غوريون إلى مطار مهراباد).
إن قوانين الصراع تحتم التعامل مع القوى الفاعلة وليس مع أطراف فقدت فاعليتها، من هنا أدركت إدارة ترامب (التاجر الحاذق) وقبلها إدارة أوباما، أن إيران لاعب أقليمي له القدرة على تنفيذ صفحات في مفردات التوجه الأميركي نحو منطقة المشرق العربي من خلال التشارك معها في نقاط التقاء مصالح سياسية براغماتية مقبولة وممارسة من الطرفين الأميركي والإيراني.
ليس صحيحا ما يُعلن أو يُسرب عمدا من أخبار عن عداء أميركي لإيران يمكن أن يصل الى شن الحرب، أو حتى تطبيق حصار اقتصادي جدي وصارم مثلما فعلوا مع العراق، فإيران على استعداد لإعادة التفاوض حول ملفها النووي بإدخال بنود تطمينية عليه مقابل أن يسمح لها بترسيخ نفوذ عالي المستوى وشرعنته في العراق على وجه الخصوص كمرحلة أولى ثم ليطور لاحقا نحو سوريا ولبنان ومصر ودول الخليج العربي، وهذا لا يتقاطع مع التوجهات الأميركية الرامية الى أضعاف جميع البلدان العربية كأحد ضمانات الأمن لإسرائيل.
قوانين الصراع تشتغل وتعظم نقاط الالتقاء بين القوى الفاعلة التي تمتلك القدرات التأثيرية، ونقاط الالتقاء بين المصالح الأميركية والإسرائيلية من ناحية وإيران من جهة أخرى أكثر مما يتقاطع مع هذا الثالوث.
للوقوف أمام هذا المتغير لابد من تفعيل الطاقات والإمكانات العربية، الشعبية منها والرسمية، وبناء تفاهمات تتركز على المصلحة الوطنية والقومية العليا بتغليب الابعاد الاستراتيجية على التناقضات الثانوية، وهي إمكانية متاحة إذا ما انفتحت القوى الوطنية على نظرائها من القوى المناهضة للاحتلال وغادرت تبعثرها بجزر معزولة، وصولاً إلى بناء منظومة متماسكة تتجاوز التشرذم وبعثرة القوى وقادرة على التصدي للتفاهمات الأميركية الإيرانية الإسرائيلية ..
مصير أمة على المحك فهل من وعي يتناسب والتحدي الماثل.

قيم الموضوع
(1 تصويت)