ardanlendeelitkufaruessvtr

النظام الإيراني في الاستراتيجية الأميركية

بقلم عديد نصار شباط/فبراير 01, 2019 288

النظام الإيراني في الاستراتيجية الأميركية
الاستراتيجيات البعيدة تظهر في الممارسة. الولايات المتحدة لن تحارب طهران، ولن تعمل على إسقاط نظام الملالي، ولن تقضي على ميليشيات الحرس الثوري وأذرعه في المنطقة، ولن تسمح لإسرائيل أن تطلق حربا واسعة ضد إيران.
إسقاط نظام الملالي قد يربك الاستراتيجية الأميركية بعيدة المدى في مواجهة الصين
تحت مظلة الاحتلال الأميركي دخل الحرس الثوري الإيراني إلى العراق وأسس الميليشيات الطائفية فيه وقام بحملة تصفيات جسدية واسعة شملت كبار ضباط الجيش العراقي المنحل والطيارين العراقيين والعلماء وأساتذة الجامعات. وتحت مظلة الاحتلال الأميركي للعراق تغلغل الإيرانيون في مختلف المرافق الحيوية، فاستباحوه ثقافيا ونهبوه اقتصاديا ودمروه اجتماعيا بالطائفية.
هذا النموذج من العلاقة بين النظام الإيراني والامبريالية الأميركية يحدد حقيقة العلاقة بينهما التي تظهر أقصى دراجات العداء في السياسة المعلنة، وأوثق مستويات التعاون في الممارسة على الأرض. في السياسة المعلنة لنظام طهران أميركا هي الشيطان الأكبر وشعار “الموت لأميركا” يحل حيث تحل الميليشيات التابعة للولي الفقيه. يقابلها في السياسة الأميركية المعلنة أن إيران هي الراعية الأولى للإرهاب وأنها زعيمة محور الشر.
سياسة العداء بين طهران وواشنطن منذ وصول آية الله الخميني إلى السلطة في طهران كانت ولا زالت حديث الإعلام والشغل الشاغل للمحللين السياسيين والعسكريين، وخصوصا العرب. في حين أن ما يدور على الأرض، ورغم العقوبات الاقتصادية والسياسية التي فرضتها الإدارة الأميركية على إيران منذ أربعين سنة، والتي أعيد فرضها بعد أن خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع طهران، يشي بأن ما يدور على الأرض شيء آخر تماما. ويكفي أن قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، كان قادرا على الدخول إلى المنطقة الخضراء لتوجيه سياسات قادة الأحزاب العراقية وحكوماتهم منذ الأشهر الأولى لتشكيل حكومة عراقية تحت الاحتلال الأميركي، ولا يزال. وهو في ظل الوجود الأميركي، يرسم السياسات الأمنية في العراق ويشرف على عمليات الحشد الشعبي ويرسل المسلحين إلى حيث يريد، إلى سوريا وإلى غير سوريا.
إذ في الوقت الذي كانت القوات الأميركية هي القوات الوحيدة، تقريبا، التي تمسك بالعراق أرضا وسماء ومؤسسات، تحلّ الجيش وتعين حاكما أميركيا في بغداد (بول بريمر)، في هذا الوقت، كان نظام الملالي في طهران يزحف على العراق من تحت، وتحت أنظار الأميركيين، ليقوم بما يريد ويصفي من يريد ويؤسس الميليشيات وينقل الأسلحة ويؤسس لحروب طائفية أبعد من العراق، على أساس أن الولايات المتحدة تحاصره وتفرض عليه العقوبات!
صحيح أن الولايات المتحدة لم تكن تحتل سوريا حين استباحت الميليشيات التابعة للحرس الثوري حدودها من العراق ومن لبنان، ولكن ذلك ما كان ليحدث لو أن الولايات المتحدة أرادت منعه. ومع تواجد قوات أميركية في شمال شرق سوريا اليوم، تشهد سوريا مزيدا من التغلغل الإيراني، إلى جانب التواجد العسكري الدائم سواء من خلال تواجد عسكري إيراني مباشر أو من خلال تواجد الميليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني. آلاف من عناصر هذه الميليشيات من غير الإيرانيين احتلوا بالفعل بيوت السوريين وأقاموا مع عائلاتهم فيها، وربما حصلوا على الجنسية السورية. هناك مناطق عديدة بات جل ساكنيها من غير السوريين، خصوصا حول دمشق وفي حمص وجوارها.
وما كان حزب الله اللبناني ليتجاوز الحدود اللبنانية السورية بمقاتليه وأسلحته لو أن الولايات المتحدة (أو إسرائيل) لا تريد ذلك.
صحيح أن العداء حقيقي بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، ويتمظهر في سياسة العقوبات الاقتصادية والسياسية على إيران من جهة، وفي تحالفات النظام الإيراني المناوئة للولايات المتحدة من جهة أخرى. لكن هذا يجب أن لا يُعمي أنظارنا عن وجه آخر للعلاقة بين الجانبين، وهو وجه يظهر بوضوح تاريخية تبادل المنافع بينهما منذ فضيحة “إيران غايت” وحتى اليوم.
الولايات المتحدة تعلن في كل مناسبة عن أهدافها الاستراتيجية في المنطقة، والرئيس دونالد ترامب خصوصا، أعلن بفجاجة ما الذي يريده؛ تفوّق إسرائيل والنفط. وهذان الهدفان الاستراتيجيان لا يتحققان إلا من خلال جعل البلاد العربية عاجزة، منقسمة وفي حال تخبط واحتراب دائم بين “مكونات” طائفية ومذهبية وإثنية ليس أقدر من نظام الملالي على إبرازها وتحفيز صراعاتها البينية، خصوصا عندما يتغلغل في ثناياها المتنوعة طائفيا ومذهبيا وعرقيا.
من هنا جاءت مراهنة البعض على مؤتمر وارسو القادم الذي أعلن عنه وزير الخارجية مايك بومبيو في جولته العربية، وعلى ما أشيع من مطالب أميركية من إيران لعقد اتفاق جديد معها بديلا عن الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولايات المتحدة، ولا زالت أوروبا متمسكة به، كانت هذه المراهنة واهية وبلا أفق، وقد رأينا كيف تراجعت الولايات المتحدة وكيف تهاوى سقف مطالبها من هذا المؤتمر. فبعد أن أعلنت للعرب أن المؤتمر لمواجهة إيران، ها هي الولايات المتحدة تقول، إنه ليس موجها ضد إيران.
علينا النظر في كيفية تبلور السياسات على الأرض وليس في الكلام وفي المعلن من التصريحات. الاستراتيجيات البعيدة المدى تظهر في الممارسة. الولايات المتحدة لن تحارب طهران، ولن تعمل على إسقاط نظام الملالي، ولن تقضي على ميليشيات الحرس الثوري وأذرعه الممتدة في المنطقة، ولن تسمح لإسرائيل أن تطلق حربا واسعة ضد إيران. إيران على المستوى الاستراتيجي بنظامها المتخلف تمثل حلقة من حلقات الحصار الأميركي القادم على الصين. إن إسقاط نظام الملالي في طهران سوف يفتح الباب على متغيرات كبرى في المنطقة قد تربك الاستراتيجية الأميركية بعيدة المدى في مواجهة الصين.
كاتب لبناني

قيم الموضوع
(0 أصوات)