ardanlendeelitkufaruessvtr

الاجتراء على "الكتابة"

بقلم سعد القرش شباط/فبراير 01, 2019 176

الاجتراء على "الكتابة"

للكتابة رهبة، مهابة تجعل الاقتراب منها مخاطرة، ألا تكون على قدر ما تعدك به نفسك، وتعجز عن حمل “الأمانة”، فتزوغ من الكتابة متعللا بانشغالات تصطنعها اصطناعا؛ لكي تفوز بفسحة من الوقت ويتأجل اللقاء بالكتابة.
السرقة هي أسوأ أنواع الاجتراء على الكتابة
اضطررت إلى وضع “الكتابة” بين علامات تنصيص؛ لأميّز الكلام من “الكتابة”. فالأول يفعله أي أحد، وأما “الكتابة” فهي عالم أسمى، بنيان مركّب أكبر من اللغة المألوفة. وكان طه حسين دقيقا، حين سئل عن تجنّبه الكتابة عن أحد الشعراء، فقال إن قصائده “كلام كالكلام”. في الشعر حد أدنى من مهارة الصنعة تمنع اقترافه إلا لمن يجيدون استيفاء شروط الشكل، ولكن فنون السرد أكثر إغراء بالاجتراء؛ ظنا بأن انتفاء معايير الأوزان تفتح الطريق أمام أي شيء يكتسب صفة “الكتابة”.
السرقة هي أسوأ أنواع الاجتراء على الكتابة. اللص الذكي يقتبس فكرة، ويعيد صوغ خاطرة، ولديه من المهارة ما يمكنه من طمس معالم النص المسروق، فلا يلمح ظلاله إلا كاتب محترف. واللص الغشيم ينسخ النص نسخا، ثم لا يجد حرجا في التقدم به إلى مسابقة، وينتظر الفوز.
وفعلها يوما أكاديمي جزائري ثم اتضح لهيئة جائزة الشيخ زايد عام 2010 أن مادة كتابه الفائز “تجاوزت حدود الاستشهاد والاقتباس، وتحولت في سياقات عدة إلى الاستحواذ على جهد الآخرين مضمونا ونصا”، كما جاء في بيان سحب الجائزة، وكان قد نال قيمتها المادية الكبيرة.
للكتابة رهبة، مهابة تجعل الاقتراب منها مخاطرة، ألا تكون على قدر ما تعدك به نفسك، وتعجز عن حمل “الأمانة”، فتزوغ من الكتابة متعللا بانشغالات تصطنعها اصطناعا؛ لكي تفوز بفسحة من الوقت ويتأجل اللقاء بالكتابة. ويلازمك هذا القلق، وتشفق على نفسك من قراءة نص في ندوة، أو أن يقرأ أحد نصا لك أمامك.
 في مطلع عام 1991 قابلت يوسف إدريس في لقاء مطول، ولم أجرؤ على أن أقول لأستاذ فن القصة القصيرة إنني أكتب القصة. وقد نشرت منذ التحاقي بجامعة القاهرة قصصا في مجلات عربية ومصرية مرموقة، “القاهرة” و”أدب ونقد” و”إبداع” التي كان إدريس أحد مستشاريها، وترددت في إعطائه نصا منشورا ليطلع عليه. ثم أكتشف بعد هذا العمر أن هناك من بدأوا الطريق الشاق باستسهال السطو على نصوص كاملة، من العنوان إلى المتن.
قبل الإتاحة الإلكترونية للنصوص وسهولة الوصول إليها في الإنترنت، كان اللص يتمتع بحصيلة السرقة وقتا أطول، وربما لا يُكتشف إلا بعد وفاته. والآن يمكن إجراء مجسّات عاجلة لمواضع الاشتباه، فيبرأ الكاتب من السرقة أو تلحق به التهمة. جرّبت هذا في تحكيمي لنصوص قصصية في مسابقة لعموم طلاب مصر وشبابها، وكانت الغلبة لمواهب شبان يشقون طريقهم بقلق وثبات وطموح، فاطمأن قلبي. وانطوت التجربة على استثناءات مخجلة، والخجل أن يبدأ “كاتب” حياته بالسرقة. ولا بد أن تتسرب إليك شكوك، وأنت تقرأ لكاتب شاب نصا مستقيما، يخلو من العثرات الأسلوبية، وتجد علامات الترقيم في مواضعها.
وبعد استمتاعي بإحدى القصص بحثت بعنوانها، فقفزت إليّ القصة، من كتاب عن الأندلس صدر في الأردن عام 2012، وهي للشيخ علي الطنطاوي. وكان مقدّم القصة إلى المسابقة كريما، فزوّدها بصور لآلات تعذيب للمسلمين بعد سقوط الأندلس، ووجدت هذه الصور بصحبة النص نفسه في موقع إلكتروني، والنص موجود في كتاب “قصص من التاريخ” الذي أصدره الشيخ الطنطاوي عام 1958.
النموذج الثاني فاجأني بجرأة تبلغ الوقاحة؛ فالسطو ليس على قصة تاريخية كتبها سوري، بل على قصة قصيرة للكاتب المصري محمد مستجاب، مع تعديلات طفيفة تشمل عنوانا جديدا، وتهذيبا لألفاظ لم تحتملها المشاعر المرهفة للص الذي حذف “ديوث” في سباب ثعبان، و”عاريا” لوصف حال البطل.
أخشى أن يجادل مثل هذا اللص بأنه يهذب “قلّة الأدب”.
روائي مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)