طباعة

أسرار عازف الكمان

بقلم إبراهيم الجبين شباط/فبراير 01, 2019 220

أسرار عازف الكمان
عليك أن تبدع بأقصى طاقتك من أجل متفرجين اثنين أولهما أنت، وثانيهما ذاك الواحد بالألف الذي يستحق بجدارة أن تتدحرج قطرات العرق من جبينك وأنت تعزف له.
الاستمتاع بوقت للجمال "مجاني"
نشرت الواشنطن بوست، في مثل هذه الأيام قبل أكثر من عشر سنوات، مقالا عن مقلب دبّرته بحق الرأي العام، ولعلّها لم تكن تريد من ورائه إلا خلق صدمة للناس كي يلوموا أنفسهم، من جهة، وكي تبرئ هي نفسها، من جهة ثانية، من تهمة الاستقتال على إرضاء العوام. فليس هذا دور الإعلام ولا دور المعرفة.
كتبت البوست إن يوم الثاني عشر من يناير العام 2007 كان يوما عاديا جدا، فقد خرج سكان واشنطن من بيوتهم صباحا. ركبوا الميترو، ونزلوا في إحدى المحطات، ليجدوا متشردا يعزف على آلة الكمان على قارعة الطريق. مزاجهم العكر، بسبب ضغط العمل والاستيقاظ المبكر وانخفاض الأجور وصعوبات التأمين الصحي، لم يكن ملائما للوقوف لحظة ومتابعة مع يعزفه هذا الرجل.
1097 إنسانا مروا بجواره دون أن يرمقه أحد بنظرة عين واحدة. واصلوا سيرهم. ولم يعرفوا أن ذلك العازف الواقف بقرب حاوية القمامة، لم يكن سوى العازف الأسطوري جوشوا بيل الذي يصل ثمن بطاقة حفله الموسيقي، عادة، إلى مئات الدولارات، والذي يعتبر حضور عزفه الحيّ حلما لمئات الملايين من البشر.
علّقت البوست بجملة واحدة “هل لديك وقت للجمال؟”.
لم يكن لدى هؤلاء العابرين وقتٌ للجمال، مع أنه متاح ومجاني، وكان سيعتبر حدثا فريدا في حياة أحدهم فيما لو انتبه واستمع والتقط صورة مع جوشوا بيل العظيم.
لكن جين واينغارتن العقل المدبّر لذلك المقلب، والذي حصل علـى جائزة بوليتزر للصحافة بسبب تلك التجربة المثيرة، اعترف بحسرة أن شخصا واحدا فقط من بين كل ذلك العدد من العابرين تعرّف على جوشوا بيل.
ما زلتُ، كل حين، أعيد الاستماع إلى عزف جوشوا بيل الذي سجلته الكاميرات ولواقط الصوت، كان بوسعه أن يجذبك نحوه، حتى لو كان ذوقك خشنا وشعورك جليديا. لكن الطبق الذي اعتاد البشر أن يتلقوا عليه وجباتهم، كان قد غيّر من إحساسهم بتلك الإبداعات. وذلك الشخص الواحد الذي تعرّف على جوشوا بيل يعني أن نسبة الذين يقدّرون ما تفعل، دون تدخل من المؤثرات غير الموضوعية، هي أقل من واحد بالألف. فهل تغيّر رأيك وتتوقف عن أداء فنّك بالجودة التي اعتدتها؟
على العكس تماما. عليك أن تبدع بأقصى طاقتك من أجل متفرجين اثنين أولهما أنت، وثانيهما ذاك الواحد بالألف الذي يستحق بجدارة أن تتدحرج قطرات العرق من جبينك وأنت تعزف له، فانظر كيف تفعل ما تفعله.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)